فهرس الكتاب

الصفحة 1295 من 1908

الله .. وبالتالي فلا التفات إليه.

بقي معنى آخر للندبة وهو التفجّع والتوجّع للشيء! كقولنا: «وا إسلاماه» ، و «وا وَطَناه» ، و «وا أخيّاه» و «وا رأساه» ، ونحوه ..

واستعمالها على هذا الوجه كثير في مقاصد الناس وبلاغتهم عامّتهم وفصحائهم قديمهم وحديثهم، وواضح فيه أن النادب «المنادِي» لا يدعو أحدًا؛ أي لا يستدعي حضوره ولا عَونه، بل هو أشبه أن يدعوَ له ويتحزّن عليه.

تنبيه: اشتهر عند العرب عبارات من هذا الباب -باب الندبة- استعملوها لمعانٍ مخصوصة عرِفت من عُرفهم لا تخرج عن معاني هذا الباب مثل قولهم: «واصباحاه» ، أو «يا صباحاه» -استخدمها سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - في الحديث المعروف (1) - للنداء للحرب والفزع للسلاح، و «واسوأتاه» -للتفجّع من مصيبة عِرضٍ ونحوه-، و «وا رأساه» -للتوجع من مرض وصداع ونحوه-، وقد استعملها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة كما في «صحيح البخاري» (2) وغير ذلك.

والله أعلم.

[تكملة]

تعرفون أن الذرائع درجات وليست درجة واحدة.

والعلماء في مبحثها من أصول الفقه قسموها إلى ثلاثة أقسام: كبرى وصغرى ووسطى (3) .

أما «الكبرى» فهي التي عليها الإجماع ولا خلاف في اعتبارها كما قاله «القرافي» وغيره؛ كبيع العنب لشركة تصنيع الخمور لغرض تصنيعه خمرًا.

وكما في قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: (108) ] .

(1) صحيح البخاري (3041، 4149) ، صحيح مسلم (1806، 1807) ، واستعملها النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك لما صعد الصفا أول الدعوة، قال: (يا صباحاه) كما في: صحيح البخاري (4801) ، صحيح مسلم (208) .

(2) صحيحه (5666) ، وبوب عليه البخاري: «بَابُ قَوْلِ المَرِيضِ: إِنِّي وَجِعٌ، أَوْ وَا رَاسَاهْ، أَوِ اشْتَدَّ بِي الوَجَعُ» .

(3) الذي أعرفه في تقسميات أهل العلم للذرائع انها ثلاثة أقسام: قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه؛ كحفر الآبار في طريق المسلمين، وقسم أجمعت الأمة على عدم منعه وأنه ذريعة لا تسد ووسيلة لا تحسم كالمنع من زراعة العنب، وقسم اختلف فيه العلماء؛ هل يسد أم لا؟ كبيوع الآجال عند المالكية، والحكم بالعلم، وقد بلغ هذا نحو ألف مسألة. انظر: الفروق للقرافي (2/ 32، 3/ 266) . وتقسيم الشيخ هو فهمه للمسألة، وهو تقسيم جيد لعله استفاده من أشياخه الشناقطة؛ فالكبرى القسم الأول، والصغرى القسم الثاني، والوسطى القسم الثالث، وبتأمل الأمثلة يتضح المراد، ولا مشاحة في الاصطلاح، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت