فهرس الكتاب

الصفحة 749 من 1908

المختلفة ونكثر من الأمثلة ونقتدي بأهل الكمال في الباب.

• الموازنة بين الشدة واللين من أصول تربية الخلق:

ولا شكّ أن الموازنة بين الشدة واللين والعنف والرفق والترغيب والترهيب أصلٌ من أهم أصول تربية المكلَّفين، سواء على مستوى النفس أو على مستوى الاجتماع، ومن رام التربية بمجرد الرفق واللين مطلقًا ودائما وأبدًا وأنكر استعمال بعضِ الشدة في محلها، وكذا مَن رام الإصلاح بالرفق واللين وحده مطلقًا ودائما وأبدًا وأنكر عن استعمال الشدة والعنف في محلهما؛ فإنه عَرَف شيئًا وغابتْ عنه أشياءُ، وهو حرِيٌّ بوصف الجهلِ والنقص.!

وأما الزنادقة الواصفون للشريعة بالعنف استهزاءً واحتقارًا وازدراءً، لأنها تأمُرُ بقطع يد السارق بشروطه، وتقتل القاتل قصاصًا، وترجم الزاني المحصَن وتجلد الزاني غير المحصَنِ، ولنحو ذلك من الحدود؛ فإنهم سفلةٌ متمردون على الله تعالى، ولسنا نطيل هنا بالكلام عليهم، فقد تجاوزهم التيار، والحمدُ لله، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) } [الإسراء] .. وقد قالت الحكماء:

فقسا ليزدجروا ومَن يكُ حازمًا ... فليقْسُ أحيانًا على مَن يرحَمُ (1)

في أضواء البيان عند قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] الآية: «أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضُهم فإن الله يأتي عوضًا عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين والتواضع لهم ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين، وبهذا أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فأمره بلين الجانب للمؤمنين بقوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) } [الحجر] ، وقوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) } [الشعراء] ، وأمره بالقسوة على غيرهم بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) } [التحريم] ، وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] ، وصرح بأن ذلك المذكور من اللين للمؤمنين، والشدة على الكافرين، من صفات الرسول -صلى الله عليه وسلم-وأصحابه - رضي الله عنهم -، بقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ، ويفهم من هذه الآيات أن المؤمن يجب عليه أن لا يلين إلا في الوقت المناسب للين، وألا يشتد إلا في الوقت المناسب للشدة، لأن اللين في محل

(1) ينظر: شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص 1121، حاشية 1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت