«بعد وصولنا إلى ساحات الجهاد والجبهات, وبعد أن أخذنا القسط الأول من التدريب, التدريب التأسيسي, دخلنا الجبهات القتالية ونلنا قدرًا من التجربة بحمد الله, ثم كانت هناك فرص لطلب العلم الشرعي بواسطة بعض المشايخ الذين كانوا في الساحة, وبعض الدورات الشرعية التي كانت تقام .. نحن كنا كثيرًا ما نقول: لولا الجهادُ لكنا مع طلاب العلم, ونتمثل في هذا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لولا الهجرة لكنتُ امْرَءًا من الأنصار) (2) , يعني نجريه مجرى المثل على سبيل الرمز؛ لأن الفتى الطموح, شريف النفس, صاحب الهمة العالية, إذا لم يكن مجاهدًا وقائدًا في الجهاد فلا يكون إلا طالب علمٍ ومزاحمًا للعلماء.
والحقيقة أن المغبون هو الذي لا يكون هذا ولا هذا وهو يقدرُ أن يكون, وإن كان المسلم كله خير على كل حال بحمد الله - سبحانه وتعالى - .. حاصل هذا الكلام الذي ذكرته هو معنى القيادة, القيادة كما تعرف -أخي العزيز- إما علمية أو عملية, والكمال هو الجمع بينهما.
الشيخ أبو الليث في البداية كان له توجه إلى طلب العلم, ونبغَ فيه بجودة الحفظ وحسن الفهم والجَلَد والصبر على السرد؛ فكان فيه تفوق, وكنا نرجو أن يكون له شأن فيه، ثم وقع له بعد ذلك توجه إلى الجانب القيادي العملي السياسي والتربوي والعسكري والاستراتيجي».
[وجوابا على قول المعلق: «التجارب والابتلاءات التي عايشها الشيخ أبو الليث - رحمه الله - شكلت فيه شخصية القائد التي يحدثنا عنها أحد المقربين منه وهو الشيخ عطية» يقول الشيخ - رحمه الله:]
«بالتأكيد كانت فيه استعدادات وملكات قيادية كامنة تفجرت أنهارها مع التجارب. طبعًا أيضًا كان جو الصدق والإخلاص والتحابب والولاء والتعاون على الخير الذي وُجد فيه الشيخ في الحركة الجهادية المباركة عمومًا وفي جماعته التي كان يعمل فيها الجماعة الإسلامية المقاتلة كان هذا الجو بيئة مساعدة لبروز مواهبه ومنحه الفرصة للنضج والترقي وليأخذ مكانه.
أبو الليث شخصية فذة وموهوبة بلا شك, والعرب قديمًا كانت تقول لمن جمع مجموعة معينة من الفضائل والمهارات أنه: رجلٌ كامل, كانوا يقولون رجلٌ كامل كما ذكره علماء العربية والنحاة والأدباء والأخباريون عند قولهم: «ولدت فاطمة بنت الخرشب الكَمَلَة من بني عبس» (3) , أبو الليث - رحمه الله - في ما نحسبه والله حسيبه أعطاه الله نصيبًا طيبًا من الفضائلِ والكمالات ووفقهُ الله فبذلَ وصبرَ وثابرَ واجتهدَ حتى كان من القدوات ومن القيادات .. قيادات الأمة المحمودة المشكورة».
[يقول الشيخ - رحمه الله - جوابًا على قول المعلِّق: «توالت الابتلاءات والامتحانات على المجاهدين, فاستشهد العديد منهم - رحمهم الله -, وأُسر العديد فك الله أسرهم, خاصة مع توالي الخيانات والخذلان, واعتبرت هذه المرحلة [يعني مرحلة ما بعد سقوط «إمارة طالبان الإسلامية» ] من أشد المراحل وأكثرها معاناةً في تاريخ الحركة الجهادية»:]
«بالفعل كانت مرحلة شدة وكربٍ عظيم, وكانت امتحانًا للجميع كما قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (179) } [آل عمران] الآية, وكان الأمر شبيهًا بما حكاه الله - سبحانه وتعالى - عن أصناف الناس من مؤمنين ومنافقين في سورة الأحزاب, فلا حول ولا قوة إلا بالله, فثبتَ من ثبت وسقطَ من سقط, نسألَ الله تعالى أن يثبت قلوبنا وقلوبكم على دينه الحق.
وكان أبو الليث - رحمه الله - من رجال هذه المرحلة الذين ثبتوا وقبلوا التحدي وواجهوا الصعاب بكل رجولة وشهامة جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، والذين سقطوا من دعاةٍ أو منتسبين إلى العلم والدين أو من أي صنفٍ من أصناف الناس لا بدَّ أن يتأمل الإنسان العاقل المعتبر لماذا سقطوا وزلت أقدامهم واختاروا الاختيار الخطأ حتى آل الأمر ببعض الناس -والعياذ بالله- أنهم يقفون في صف الكفار وطواغيت الردة وينحازون إليهم ويعاونونهم على المجاهدين ويسعون في تسليم المجاهدين إليهم, كل ذلك من خذلان الله لهم بأسباب ينبغي أن يتأملها الناس {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) } [الكهف] , ترك الهجرة والقعود عن الجهاد ومجاورة الطواغيت والدخول تحت حكمهم وكثرة ملابستهم, هذا كله لا يأتي بخير أخي العزيز».
[وجوابا على قول المعلق: «تم غزو العراق وإسقاط نظام البعث الكافر, وفرَّ الجيش العراقي من أرض المعركة وكانت الخيانة هي السمة المميزة لهذه الحرب» ؛ يقول الشيخ:]
«هو امتحان للجميع كما قلت لك, الجميع المسلم والكافر, أفرادًا وجماعاتٍ ودولًا, الخيانة هي
(1) إصدار مرئي يتحدث عن سيرة الشيخ المجاهد: «أبي الليث الليبي القاسمي» - رحمه الله -، مكون من جزئين، مدته الكلية: ساعتين إلا خمس دقائق، نشرته «مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي» في شهر الله المحرم لعام 1430.
(2) صحيح البخاري (7245) .
(3) انظر: المقتضب للمبرد (4/ 116، وهم: الربيع، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ، وأنس الفوارس، أبناء زياد بن عبد الله العبسي.