فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 1908

• فائدة؛ في فعل عليّ - رضي الله عنه - حين رجع القهقرى ليسأل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، ولم يلتفت، وكره أن يلتفت، وإقرار النبيّ -صلى الله عليه وسلم- له على هذا التصرّف:

هذا منه - رضي الله عنه - مبالغةٌ محمودة في إظهار السمع والطاعة للنبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وهو موضعٌ (الحربُ والقتالُ وأوامرُ القيادة فيها) يحتاج إلى مبالغة ودقة في السمع والطاعة، وهو ما يعبّر عنه في لغة العصر بـ «الحَرْفيّة» و «التطبيق الحَرْفيّ» و «الانضباط العسكريّ» ، وذلك أن شأن الحرب غير شأن السلم والعافية، وليس فيها مجال واسع لاجتهاد المأمور في تفسير وتطبيق الأمر الصادر إليه من قيادته؛ فالحزم الواجب دائما هو السمع والطاعة بكل دقة وحمل الأوامر على ظاهرها، إلا إذا وجد معارِضٌ متيَقَّنٌ، وهي حالات نادرة ليست هي محلّ كلامنا؛ وإنما محل كلامنا واضح وهي الأوامر المعهودة من القيادة لأفرادها، كما لو قال الأمير لبعض جنوده: أنتم تقعدون هنا ولا تتحركون، أو: لا تذهبوا إلى المكان الفلانيّ؛ فيجلس هؤلاء الجنود قليلًا مثلًا ثم إذا رأوا بعض التغيرات اليسيرة في الواقع يشرعون في التأويلات والتفسيرات قائلين: هو يقصد كذا ولا يقصد كذا، ومراده كيت وكيت!! وما أدراكم ما مراده؟! فيخالفون الأوامر ويتحركون ويذهبون، فربما وقع من ذلك فساد كبير أو صغير، بحسبه.! والله المستعان.

ومن عُرِف منه ذلك وتكرر؛ فإنه لا يصلُحُ للجندية، ولا يفيد أن يكون مع المجاهدين وفي صفّهم، وربما كان ضررًا عليهم ينبغي التوقي منه وإبعادُهُ عن الصفِّ؛ ولذلك فإن القيادات العسكرية الواعية في معسكرات التدريب وأيضًا في ميدان الممارسة القتالية تعتمِد التدرّج في تربية أفرادها بالاختبارات وإتاحة الفرصِ المتدرجة في الأعمال والمهامّ ليَعرِفوا المطيع المنضبط الذي يصلح للجندية ثم يقبَلُ الترقِّي في درجاتِ المسؤولية، ومن يحتاجُ إلى تقويمٍ، ومن هو صفرٌ من ذلك كله.!

والحاصل أن الواجب هو حمل كلام المتكلم على ظاهره دائما، والاستثناء هو فقط: حيث يوجَدَ دليل واضحٌ بيِّنٌ يُوجِبُ حمله على خلاف ظاهره؛ هذا في سائر كلام المتكلمين وفي سائر الأوقات والأحوال، ويتأكد ذلك في حال الحرب، وفي قصة الرماة - رضي الله عنهم - في غزوةِ أحدٍ خيرُ عبرةٍ، ولعظم موقعها وفائدتها ذكرها الله - عز وجل - في القرآن الكريم تُتْلى إلى يوم القيامة، والقصص والعبر غيرها كثير جدًا أيضًا، وهذا الخلل كثيرٌ فينا للأسف! فيجب أن نصلحه وندفعه بنور العلم والحكمة، وبوازع الدين وسلطان التقوى والحزم، وأن نربّي القاصرين الجاهلين، ونكمل الناقصين، وأن نأخذ على أيدي المستهترين قليلي الانضباط، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت