ولذلك فإن ما ذكره السائلُ من أنه «قد يتمادى بهم هذا الخلق وهذا الوصف إلى أن يفضِّلوا ويختاروا الخيارات القاسية والعنيفة كثيرا، ويتصرفوا تصرفات لا إنسانية أحيانًا وبعيدة عن الرحمة!» اهـ؛ فإنه يشير إلى حالاتٍ وقع فيها الخللُ والانحرافُ، فهذه لها أسبابٌ متعددة، ليس منها ممارسةُ الجهادِ، وهذا يحصُل لأهل الجهاد ولغيرهم؛ فإن من طوائف الناس من الحركة الإسلامية وعوامّ أهل القبلة مَن هو عنيفٌ جدًا وقاسٍ وشديدٌ بل وعُتُلٌ جبّار، دون أن يكون من أهل الحرب والقتال ولا انتمى إلى جهادٍ، وقد يقتصر عنفه على اللفظ في مواطن لا يقدر فيها على غيره، وعلى صورٍ من عنف المعاملة والأخلاق وتبلّد الإحساس وقلة الرحمة أو انعدامها وغلبة الأنانية والشحّ، فلمَ تظلم الجهادَ وأهلَهُ يا فتى؟!
وبكل حالٍ .. فالحقُّ يقبَل حيثُ هو، والباطل يُرَدُّ ويُنكر ممن كان، فاللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
[الحلقة الثامنة - مجلة طلائع خراسان، العدد الثامن عشر، ربيع الآخر 1432]
-الحكمة الثانية: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ولا تلتفت) :
قال له: (انفذ على رسلك ولا تلتفت) ؛ وقد ذكرنا رواية مسلم التي فيها: (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك) ، قال -أي الصحابي راوي الحديث-: فسار عليٌّ شيئًا ثم وقف ولم يلتفت، فصَرَخَ: «يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ .. » الخ وفي لفظ آخر -عند ابن أبي شيبة- قال: (قم اذهب فقاتل ولا تلفت حتى يفتح الله عليك) ، فلما قفَّى -أي عليٌّ - رضي الله عنه -، أي رجَعَ ليسأله هذا السؤال- كره أن يلتفت،