أن يعرف الإنسان أنه في مقام العبودية وأنه عبد لله - سبحانه وتعالى -، وإذا عرف الإنسان أنه عبد لله عندئذ يعرف قدر نفسه، ويعني ذلك أنه عرف أنه محتاج ومفتقر إلى سيده ولا يعمل شيء إلا بإذن سيده ورضاه ولا يتمرد عليه، ويعرف أنه فقير ضعيف عاجز في مقابل مولاه وربه وسيده القوي القادر المتصف بكل صفات الكمال، هذه العبودية تدفع الإنسان لأن يقول: يا رب أنا ضعيف عاجز فقير جاهل؛ فيا رب أرشدني واهدني.
أما من لا يعترف بأنه عبدٌ لله ويستكبر عن عبادته كما يفعل الطواغيت والجبابرة المتكبرين والأمم الكافرة، هؤلاء فقدوا سببًا كبيرًا من أسباب الهداية؛ ولهذا فإن المتكبر يمنعه الله من الهداية، قال - سبحانه وتعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ .. الآية} [الأعراف: 146] المتكبر لا يحصّل على العلم ولا تحصُل له هداية ولو تحصّل على بعض العلوم، والمستكبر لا يهتدي وسيدخل النار، قال - سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) } [غافر] .
ما هي العبودية وعلى ماذا مبناها؟
مرجعها إلى التذلل والخضوع، ومعنى العبودية الأصلي مأخوذة من طريق معبد، عبَّده أي: ذلله، ومعبَّد أي: مُذلَّل لسيده.
معنى العبودية ومدارها على الذلة والخضوع.
فالعبد إذا عرف أنه عبد وحقق العبودية لجأ إلى الله - سبحانه وتعالى - أن يهديه وبحث عن الخير والصواب وبحث عن الشيء الحسن الذي يرضي ربه - عز وجل -، وبحث عما ينجح ويفلح به ويسأل ربه: يا رب أعنِّي، يا رب وفقني، يا رب أرشدني .. هذا أهم شيء.
وهذا يتضمن أشياء أخرى؛ فإذا عرف أنه عبد فسيعرف نفسه أنه جاهل وعاجز ويعرف أن نفسه مركبة من أشياء كثيرة جدًا تمنعه من الهداية مثل: الهوى والشهوات، وعندئذ يلتجيء إلى الله - سبحانه وتعالى - فيسأله ويستعين به؛ لكي يوفقه - سبحانه وتعالى - إلى الخير الذي يرضى به اللهُ عنه، ولهذا جاء في القرآن قوله - سبحانه وتعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) } [الأعلى] ، {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) } [غافر] ؛ فالذي يخشى الله ويتقيه ويرجع وينيب إليه .. هذا هو الذي يهديه الله - سبحانه وتعالى -.
في المقابل الجبارون والمتكبرون الذين لا يخشون الله - سبحانه وتعالى - أولئك لا يهديهم الله {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) } [النحل] ؛ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ