البلاغة، وهو التحول من ضمائر الغيبة إلى ضمائر الخطاب في الغالب، وهذه صورته وقد تكون له صور أخرى.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تلقين من العبد أن يخاطب الله - سبحانه وتعالى - أن يقول له: إياك نعبد يا الله، وإياك نستعين؛ فهو هنا أقرّ واعترف بأنه يعبد الله وأنه يستعين بالله - سبحانه وتعالى -، والثلاث الآيات الأولى كلها توسّل إلى المقصود، وهو {اهْدِنَا} توسل إلى الله بذكر صفات كماله وجلاله بالإشارة إلى أصولها -حمد وثناء وتمجيد-، هذا كله توسلٌ إلى المقصود، ثم توسل إلى الله أكثر واعتراف العبد بأنه يعبده ويستعين به على عبادته، ومقصود هذا كله هو {اهْدِنَا} فهذا هو كل الفاتحة، وما قبل هذا هو توسل وتوطئة وسعي إليها وصيرورة إليه، ثم {اهْدِنَا} هي مقصود الفاتحة كلها.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } وصف لهذا الصراط ونعت له وتوضيح بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم، بأنه غير صراط الناس الذين ضلوا وانحرفوا من المغضوب عليهم والضالين، ثم الكلام في الصراط تكميل للسؤال، فالفاتحة كلها؛ سرها ولبها ومقصودها هي في كلمة {اهْدِنَا} وهو سؤال الله الهداية وهذا المقصود الأعظم؛ أن يسأل العبد ربه - عز وجل - الهداية بكل معانيها:
• هداية الدلالة على الخير والشر.
• وهداية الإرشاد للعلم والمعرفة.
• وهداية العمل بمقتضى هذا العلم وهي هداية التوفيق؛ لأنه من الممكن أن يعرف المرء الخير والشر ولكن لا يعمل بمقتضاهما، فمن الذي يجعله يهتدي؟! هو الله - سبحانه وتعالى - الذي يخلق في قلبه هداية معينة حاصلها الإرادة، فهو عرف الخير وأراده فالْتقى العلم والإرادة فوقع الفعل، وهذه الهدايات كلها مقصودة عندما نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } فهي داخلة بقولنا {اهْدِنَا} نسأل الله الهداية بجميع أنواعها.
• وآخرها هداية التثبيت على هذا الطريق والهداية إلى آخر مراتب الفوز والفلاح.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } أوجب الله علينا أن ندعوه ونسأله الهداية، والله - سبحانه وتعالى - جعل لنا وسائلَ وأسبابًا مؤدية إلى الهداية في كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وفي القرآن خاصة بين لنا الله - سبحانه وتعالى - الكثير من أسباب الهداية، التي نمر نمر عليها كثيرًا ولا نتأملها جيدًا ولا ننتبه إليها: