خُيِّرتَ فَاِختَرتَ المَبيتَ عَلى الطَوى ... لَم تَبنِ جاهًا أَو تَلُمَّ ثَراءَ
تِلكَ الصَّحَارِي غِمْدُ كُلِّ مُهَنَّدٍ ... أَبْلَى فَأَحسَنَ في العَدُوِّ بَلاءَ
[خُرَاسَانُ] مَهْدُ الأُسودِ وَلَحدُها ... ضَجَّت عَلَيكَ أَراجِلًا وَنِساءَ
وَالمُسلِمونَ عَلى اِختِلافِ دِيارِهِم ... لَا يَمْلُكُونَ مَعَ المُصَابِ عَزاءَ
وَلَكَأَنِّي بِكَ شَيْخَنَا تَرْثِي نَفْسَكَ يَوْمَ رَثَيْتَ صَاحِبَكَ «أَبَا تُرَابٍ الْبَاكِسْتَانِي - رحمه الله -» إِذْ جَاءَكَ خَبَرُ مَقْتَلِهِ؛ فَاغْتَمَمْتَ لِذَلِكَ، وَجَادَتْ قَرِيحَتُكَ بِأَوْصَافٍ لَا إِخَالُهَا وَاللَّهِ تَعْدُوكَ أَبَدًا:
وذاك أبو تربٍ مثال مواثق ... من الدين قد شدت عليها الأصابع
دماثة أخلاق وطيبة معشر ... رزانة كهل حنكته المعامع (1)
* رثاء وعزاء؛ من أمة الإسلام، في الشيخ الأسد الهمام: عطية الله - رحمه الله:
نَعمْ شَيْخَنَا الحَبِيب؛ فُزْتَ بالمُنَى، وَبَلَغتَ -بِإِذنِ اللهِ- العُلَا، فَرِحَ بِمَقتَلِكَ الكَافِرينَ، وَتَفَطرَّتْ عَلَيكَ قُلُوبُ المُحِبِّينَ، وَجَالَتْ فِي النَّفسِ آلامٌ مِّنْ ضَرْبِ الغَادِرِينَ، فَالجُرحُ مَا انْدَملَ بَعْدُ -وَاللَّهِ- بِمَقْتَلِ شَيْخِ الكُلِّ: «أُسَامَةَ بْنَ لَادِنٍ» - رحمه الله - حَتَّى لَحِقْتَه، وَلَكِنَّ عَزَاءنَا فيْكَ أنَّ اللهَ قَد اصْطَفَاكَ: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140] ، وَلِلِقائهِ -كَمَا نَحْسِبُ- اجْتَبَاكَ؛ فَارْتَحتَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ.
شَيْخَنَا؛ قَدْ حَارَتِ الأَنْفُسُ فِي وَصْفِ حُزْنِ القَلْبِ، وَدَمعِ العَيْنِ؛ فَأَبَتْ الكَلِمَاتُ إِلَّا أَنْ تَنْطِقَ بِذَلِكَ شِعْرًا وَنَثْرًا، سِرًّا وَجَهْرًا، فَعَزَّيْنَا أَنْفُسَنَا وَهَنَّأنَاك، وَرَثَيْنَا قُعُودَنَا وَقُلْنَا: قَرِيبًا -بِإِذْنِ اللهِ- نَلْقَاكَ..
وَلَئِنْ كَانَتْ خَيْرُ المَرَاثِي مَا يَرْثِي بِهِ المَرْءُ نَفْسَهُ؛ فَخَيْرُ مَا نَرْثِيكَ بِهِ رِثَاؤُكَ السَّالِفِينَ مِنْ أَحِبِّتِكَ القَادَةِ وَالمُجَاهِدِينَ؛ كَأِبِي مُصْعَبٍ الزَّرْقَاوِيِّ، وَأَبِي اللَّيْثِ اللِّيبِيِّ، وَمُصْطَفَى أَبِي اليَزِيدِ، وَشَيْخِ الكُلِّ أُسَامَةَ بْنَ لَادِن - رحمهم الله -.. فَلَقَدْ رَثَيتَهُمْ -شَيْخَنَا الحَبِيبُ- وَكَأَنَّكَ تَرْثِي نَفْسَكَ، وَتُوَدِّعُ أُمَّتَكَ، وَمَا قَرَاتُ كَلِمَاتِكَ تَصْبِيرًا لَنَا عَلَى فِرَاقِ الشَّيْخِ «أَبِي مُصْعَبٍ» - رحمه الله - إِلَّا ذَكَرْتُكَ فَاسْتَعْبَرتُ؛ فَقَالَ قَلْبِي -قَبْلَ لِسَانِي-:
دَعِ البُكَا وَاتْرُكِ النَّحِيبَا ... طَلِّقِ الكَلَامَ أَشْعِلْ لَهِيبَا
قُمْ جَاهِدَنْ فِي اللهِ لَوْ وَحِيدَا ... ادْفَعَنْ أَذَى النَّجِسِ العِرْبِيدَا
(1) شهداء في زمن الغربة (ص 72) .
(2) لما كان المراد إثبات ما قيل في الشيخ - رحمه الله - من رثاء وعزاء وتهنئة باستشهاده، وحث الأمة عامة، وعلمائها وشبابها خاصة على قفوِ أثره؛ فإننا لم نثبت هذه البيانات كاملة؛ بل اكتفينا بما تقوم به الحاجة فقط، وبترنا منها ما لا يخل كمقدمة البيان وختامه، والله الموفق للخير.
(3) تقدم معظم رثاء الشيخ أيمن -حفظه الله- للشيخ عطية الله - رحمه الله - في ثنايا السيرة المتقدمة؛ فأغنى هذه عن ذكره هاهنا.