قصةُ هذا العدد هي من الوجه الآخر للنفس البشرية، من الجانب السلبيّ لها، إنها قصةُ الضعف البشري والأنثويّ، هي قصة من العصر الجاهليّ والمُلك الفارسيّ في بلاد العرب، لكنها قصةٌ للنفس البشرية حين تضعُفُ وتخون وتبيع الأصيل بالعَرَض الزائل القريب، وتنسى العهود، وتغلبها المتعة الحاضرة على القيم النبيلة والمعاني الفاضلة.!
وقائع هذه القصة القصيرة حدثت في آخر عصر ملوك الطوائف في المملكة الفارسية في مرحلة ما قبل الإسلام.
كان هناك مَلِكٌ اسمه «شاه بور» ، والعربُ تنطقه: سابور، (قال بعضُ علماء السيرة كابن إسحاق وتبعَه ابن هشام: إنه هو الذي عُرِف عند العربِ بذي الأكتاف، ولكنِ الصحيحُ أنه سابورُ بن أزدشير، كما حققه السُّهيلي) قد آل إليه -بعد أبيه- في مرحلة ما معظمُ السيطرة على ملوك الطوائف ومُلك فارس، فكان في حربِه لتكميل ما بدأهُ أبوهُ من توحيد مملكة فارس غزا ملكًا اسمه ساطرون، وكان هذا أقوى ملوك الطوائف، كان له حصن حصينٌ مشهورٌ اسمه (الحَضْر) كان مطلًا على شاطئ الفرات، والفتاةُ صاحبةُ قصتنا هي ابنته.
قال ابن هشام - رحمه الله - في السيرة النبوية -مع تصرف يسير وزيادات للتوضيح-: وكان كسرى سابور غزا ساطرون ملكَ الحضر فحصره سنتين، فأشرفت بنتُ ساطرون يومًا فنظرت إلى سابور وعليه ثيابُ ديباجٍ وعلى رأسه تاجٌ من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، وكان جميلًا، فدسّتْ إليه (1) :
أتتزوجُني إن فتحتُ لك بابَ الحضر؟ فقال نعم، فلما أمسى ساطرون (1) شرب حتى سكر، وكان لا يبيت إلا سكرانَ، فأخذت مفاتيحَ باب الحضر من تحت رأسه فبعثت بها مع مولىً لها ففتح الباب،
(1) أي أرسلتْ إليه خفيةً تقول. [المؤلف]