الثَّقَافَةِ وَالوَعْيِ»، وَلَا يَمْنَعُهُ عَنِ التَّوَاصُلِ مَعَهُمْ؛ كَوْنُهُم يُخَالِفُونَهُ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ وَالنَّوَازِلِ؛ فَقَدْ كَانَ فِقْهُهُ أَوْسَعُ مِنَ التَّنْظِيمَاتِ وَالجَمَاعَاتِ، بَلْ كَانَ يَنْظُرُ أَنَّ العَالِمَ يُسْتَفَادُ مِنْهُ وَلَوْ خَالَفَنَا فَي اجْتِهَادِهِ.
والمُتَتَبِّعُ لِكَلامِ الشَّيْخِ - رحمه الله - يَلْحَظُ مَا حَباهُ اللهُ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ، وَفَهْمٍ عَنِ اللهِ رّبِّ العَالَمِينَ، وَمَا كَانَ عِندَهُ مِنْ قُوَّةٍ فِي الحَافِظَةِ، وَسَيَلَانٍ فِي العِلْمِ؛ فَقَدْ تَتَبَّعْتُ كَثِيرًا مِنْ كَلامِه؛ فَعَلِمْتُ أنَّهُ -وَبِلَا شَكٍّ- كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ، وَيَسْتَدِلُّ عَلَى مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِن ذَاكِرَتِهِ، مَعَ تَوَاضُعٍ شَدِيدٍ، وفَهْمٍ كَبِيرٍ، وَكَانَ يَقُولُ: «التَّالِيفُ لَعَلَّهُ مَا زَالَ مُبَكِّرًا عَلَى مِثْلِي، وَأَنَا أَخْشَاهُ وَأَتَقَاصَرُ عَنْهُ» مَعَ مَا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمٍ وَفَضْلٍ.
يَشْهَدُ الْجَمِيعُ للشَّيخِ - رحمه الله - أَنَّهُ كَانَ حَاذِقًا وَذَا خِبْرَةٍ وَاسِعَةٍ فِي الشُّؤُونِ الجِهَادِيَّةِ وَتَسْيِيرِ أُمُورِ الْجِهَادِ وَمَهَامِهَ الصَّعْبَةِ؛ حَيْثُ كَانَ ذَا حَزْمٍ وَقُوَّةٍ فِي الرَّايِ، وَصَاحِبَ نَظَرٍ عَمِيقٍ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَلَعَلًّ مَا قَالُهُ عَنْهُ أَمِيرُ الاسْتِشْهَادِيِّينَ الشَّْيخُ «أَبُو مُصْعَبٍ الزَّرْقَاوِيُّ» - رحمه الله - فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ: «دَعُوا عَطِيَّةَ اللَّهِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَقُوْلُ» يَكْفِي لِبَيَانِ ذَلِكَ.
ومِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أنَّ الشَّيْخَ - رحمه الله - قَامَ بِقِيَادَةِ «جَمَاعَةِ قَاعِدَةِ الْجِهَادِ» فِي ظُرُوفٍ عَصِيبَةٍ؛ اقْتَضَتْ ضَُرورَةُ الْمَرْحَلَةِ أنْ لاَ يَكُونَ لَهَا إلَّا الأَكْفَاءُ مِنْ أَمْثَالِهِ، فَقَامَ بِثَغْرِهِ أَحْسَنَ قِيَامٍ حَتَّى ارْتَقَى شَهِيدًا كَمَا نَحْسَبُهُ، وَقَدْ أَخَذَتْ مِنْهُ إِدَارَةِ العَمَلِ الجِهَادِيِّ جُلَّ وَقْتِهِ حَتَّى صَرَفَتْهُ عَنِ القِرَاءِةِ وَالتَّالِيفِ رغْمَ شَغَفَهِ بِهِمَا، وَلِذَلِكَ قَلَّ إِنْتَاجُهُ العِلْمِيُّ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ، وَكَانَ يَتَأَسَّفُ عَلَى قِلَّةِ الوَقْتِ الَّذِي يَهَبُهُ لِلْقِرَاءِةِ.
وَلَكِنَّا نَحْمَدُ الِلَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَقَدْ تَرَكَ الشَّيخُ - رحمه الله - خَلْفَهُ رِجَالًا ذَوِي هِمَمٍ عَالِيَةٍ تُنَاطِحُ الشُّمَّ الرَّواسِي -نَسْأَلُ اللَّهَ - عز وجل - أَنْ يُسَدِّدَهُمْ وَيُعِينُهُمْ عَلَى رَفْعِ الرَّايَةِ وَإِكْمَالِ الْمِشْوَارِ الجِهَادِيِّ المُبَارَكِ-.
وَكَذلِكَ فَقَدْ كَانَ - رحمه الله - ذَا خِبْرَةٍ كَبِيرَةٍ بالكُمْبيوتَر وَالتَّعَامُلِ مَعَ الانْتَرْنِتْ، وَمُلمًّا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ فِي مَجَالَاتِ التُّكنُلُوجْيا والتَّطَوُّر، مَعَ حِرْصٍ شَدِيدٍ عَلَى الارْتِقَاءِ بنَفْسِهِ مِنْ جَمِيعِ النَّوَاحِي؛ حَتَّى يَسْتَطِيعَ اسْتِيعَابَ ظُرُوفِ الْجِهَادِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي تَتَطَلَّبُ أن يَكُونَ الْقَائِدُ وَالْأَمِيرُ عَلَى كَفَاءَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، بَلْ وَفِي شَتَّى المَجَالَاتِ.
وَكَانَ - رحمه الله - حَرِيصًا عَلَى إخْوَانِهِ وَعَلَى أَرْوَاحِهِمْ أَشَدَّ الْحِرْصِ؛ فَقَدْ تَجِدُهُ يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَمْرٍ ظَاهِرُهُ خَيْرٌ، وَلَكِنْ -وبَعْدَ التَّأَمُّلِ- تَجِدُ أَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ رَايٍ هُوَ الصَّوَابُ، وما كَانَ ذَلِكَ إلَّا لِحِرْصِهِ - رحمه الله - عَلَى دِمَاءِ إخْوَانِهِ؛ خَاصَّةً الْقِيَادَاتِ وَالكَفَاءَاتِ مِنْهُمْ.
وَقَدْ شَارَكَ الشَّيْخُ - رحمه الله - فِي تَوْجِيهِ دَفَّةِ «قَاعدَةِ الجِهَادِ» مَعَ سَنَانِهِ بِقَلَمِهِ وَبَنَانِهِ؛ فَقَدْ كَانَتْ لَهُ