فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 1908

لِإِمَارَةِ «جَمَاعَةِ قَاعِدَةِ الْجِهَادِ» أَعَزَّهَا اللهُ؛ حَيْثُ يَتَّضِحُ هَذَا بِشِدَّةٍ مِنْ خِلَالِ رَسَائِلِهِ الْعَدِيدَةِ الَّتِي يَنْصَحُ فِيهَا بِالصَّبْرِ وَاللُّجُوءِ إِلَى اللَّهِ - عز وجل - فِي أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِه - سبحانه وتعالى - وَالثِّقَة بنصره؛ بِرَغْمِ الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ الَّتِي كَانَ يمُرُّ بهَا المًجَاهِدُونَ.

وَكَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَا يَصْرِفُ مِنْهُ إلَّا بِقَدْرِهِ وَبِالْمَعْرُوفِ؛ فَقَدْ تَكُون عِنْدَه مِنَ الْأَمْوَال أَحْيَانًا مَا يَكْفِيهِ لِسَدادِ حَاجَاتِهِ، ولَكِنَّهَا أمْوَالُ بَيْتِ المَالِ؛ فَلَا يَشْتَرِي لِنَفْسِه مَا يَاكُلُهُ، وإنْ فَعَلَ فإنَّهُ يَشْتِرِيْ مَا قَلَّ ثَمَنُهُ وَرَخُصَ؛ حِرْصًا مِنْهُ - رحمه الله - عَلَى هَذِهِ الْأَمَانَةِ الْعَظِيمَةِ.

وَكَانَ - رحمه الله - يَحْرِصُ أَشَدَّ الْحِرْصِ عَلَى تَعْلِيمِ أَوْلَادِهِ وَتَدْرِيسِهِمْ وَتَرْبِيَتِهِمْ بِنَفْسِهِ عَلَى الرّغْمِ مِنْ كَثْرَةِ المَسْؤُولِيَّاتِ الْمُلْقَاةِ عَلَى عَاتِقِهِ.

كُلُّ هَذا مَع طِيبَةِ قَلْبِه؛ وَخِفَّةِ ظِلِّهِ؛ فَقَدْ كَانَ يُمَازِحُ إخْوَانَه وَيُوَاسِيهِمْ؛ مَعَ مَا عُرِفَ عَنْهُ مِنْ حَزْمٍ وَقُوَّةٍ فِي الرَّايِ والتَّدْبِيرِ.

وَأَمَّا حُسْنُ إدَارَتِه وَقُوَّةُ بَصِيرَتِهِ فَهِيَ السِّمَةُ الْمُمَيِّزَةُ لَهُ - رحمه الله -، فَقَدْ شَهِدَ لَهُ القَاصِي وَالدَّانِيْ بِذَلِكَ؛ حَيْثُ أَكَسَبَهُ الْعَمَلُ فِي السَّاحَاتِ الجِهَادِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ خِبْرَةً عَظِيمَةً قلَّ أَنْ تَجْتَمِعَ فِي رَجُلِ وَاحِدٍ.

وَكَانَتْ شَخْصِيَّتُهُ قَوِيَّةٌ - رحمه الله - حَيْثُ عُرِفَ عَنْهُ الجِدِّيَّةُ وَالحَزْمُ، وَأَحْيَانًا «الْعَصَبِيَّة» ؛ فَقَدْ كَانَ حَازِمًا فِي العَمَلِ، دَقِيقًا فِي مَوَاعِيدِهِ، ضَابِطًا لِعَمَلِهِ.

وَلَعَلّ مِن أَعْظَمِ صِفَاتِه - رحمه الله - التَّوَاضُعُ لِإِخْوَاِنِه الُمَجاِهِدينَ خَاصَّةً وَالُمْسِلِمِيْنَ عَامَّةً، وَهَذَا مِنْ بَرَكَةِ العِلْمِ الَّذِي حَبَاهُ اللهُ إِيَّاهُ؛ فَلَا يَانَفُ عَنْ مُحَاوَرَةِ الصَّغِيرِ وَلَا الكَبِيرِ، وَلَا مُؤَاكَلَتِهِمْ أَوْ مُخَالَطَتِهِمْ.

وَقَدْ كَانَ شَدِيدَ الْغَيْرَةِ عَلَى دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ مُشَدِّدًا فِيهَا، وَمُعْلِنًا أَعْظَمَ النَّكِيرِ عَلَى سَفْكِهَا بِغَيْر حَقٍّ، وَهَذَا كُلُّهُ مُلَاحَظٌ مِنْ كَلِمَاتِهِ وَمَوَاقِفِهِ القَوِيَّةِ الَّتِي سُجِّلَ بَعْضُهَا فِي هَذَا «الْمَجْمُوعِ» .

وَأَمَّا خِطَابُه؛ فَقَدْ كَانَ يَتَّسِمُ بِالاهْتِمَامِ البَالِغِ بِالتَّرْبِيَةِ وَتَرْسِيخِ الأَخْلاقِ الفَاضَلَةِ مَعَ المُوَافِقِ وَالمُخَالِفِ، وَتَرْكِ حَظِّ النَّفْسِ وَإِيثَارِ مَا عِنْدَ اللهِ - سبحانه وتعالى -، وَكانَ يَرَى أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِنْ أَوْلَى الوَاجِبَاتِ عَلَى المُجَاهِدِينَ -وَهِيَ كَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ-، بَلْ كَانَ كَثِيرًا مَا يُحِيلُ المَشَاكِلَ إِلَى قِلَّةِ التَّرْبِيَةِ فِي السَّاحَةِ الجِهَادِيَّةِ.

وَكَذَا كَانَ يَقَف - رحمه الله - سدًّا مَنِيعًا فِي وَجْهِ الغُلَاةِ وَالمُتَسرِّعِينَ فِي التَّكْفِيرِ، وَالمُتَسَاهِلِينَ فِي الدِّمَاءِ، وَكَانَ يُكَرِّر ُحِينَ الخِلَافِ: «لَعَلَّ لِلْمُخَالِفِ عُذْرًا.. لَعَلَّهُ كَذَا وَكَذَا» حَتَّى تَذْهَبَ عَجَلَةُ المُتَسَرِّعِينَ.

وَكَانَ - رحمه الله - يُرَاسِلُ أَهْلَ العِلْمِ فِي المُشْكِلَاتِ والنَّوَازِلِ الجِهَادِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ؛ فَيَصْدُرُ عَنْهُمْ وَيَسْتَفِيدُ مِنْ شُورَاهُمْ، ومِمَّا يُذْكَرُ هُنَا أَنَّ أَحَدَ المَشَايِخِ العَامِلِينَ بَعَثَ لَهُ بِرِسَالَةٍ فيها: أَنَّ سِرَّ «الفَاتِحَةِ» فِي {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة] فَعَلَّقَ عَلَيْهَا - رحمه الله: سِرُّهَا فِي كَلِمَةِ {اهْدِنَا} [الفاتحة: 6] كَمَا تَجِدُهُ فِي «سِلْسِلَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت