يخفى أن مثل هذه الآراء والانتقادات يقولها حتى الوليّ لوليّه، وأما جريانها بين الخصوم فكثير جدًا، فلا يُفرَح بها كثيرًا.! ثم هل هو مصيبٌ محق في هذا أو لا، هذا نحن نقرر الجواب عليه بأدلتنا المستقلة.
وأما الأقوال الصادرة عن أقطاب الرافضة سواء من السياسيين الإيرانيين أو غيرهم المصرحة بوجود تحاور بين إيران وأمريكا، وحتى إسرائيل ربما، وأنها لم تنقطع، ونحو ذلك، فهي كذلك مما لا ينبغي للباحث أو للمناظر أن يعوّل عليه كثيرًا، ولا حاجة بنا إليه، فنحن متقررٌ عندنا بكل وضوح معالم وطبيعة السياسة الإيرانية والرافضية عمومًا من حيث: العقلانية المفرطة والبراغماتية والميكافيلية أحيانا، والأنانية والطائفية ... ! وبالتالي فوجود حوارات ولقاءات، ومحاولات من الطرفين لتحقيق بعض المصالح -وغالبها مصالح آنية- من ذلك، هذا شيء عادي جدًا، والطرفان (أمريكا والرافضة) يفعلانه بنفس مستوى النشاط أو الفتور.
وكل ذلك لا ينافي ثبوت العداء بينهما، ولا ينقض ما قررناه أعلاه، والعدوّ يحاور عدوَّه سرا أو جهرًا ويفاوضه، ويستغله ويمارس معه السياسة الانتهازية وغيرها، هذا غير مستغربٍ، لكن علينا أن نفهم ترتيب العداوات عند الإيرانيين والرافضة عمومًا، كما أشرتُ إليه قبل قليل.
لفظ «البراغماتية» لفظ مستعمل في الاصطلاح السياسي المعاصر، ومعناه على وجه التقريب: العقلانية المفرطة التي تراعي مصالحها ولو المؤقتة والعاجلة السريعة، وتتخلى في سبيل ذلك عن المبادئ والقيم والشعارات المعلنة، مع أن هذا المصطلح أيضا أحيانا يُستعمل استعمالا أكثر قربًا من معنى «الميكافيلية» والتي هي الإباحية السياسية ومبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» ، والرافضة عمومًا سواء تمثلوا في دولتهم إيران، أو في تنظيماتهم المعروفة كحزب الله، أو غيرها هم برغماتيون لدرجة شديدة.
فالإيرانيون شيعة رافضة اثنا عشرية إمامية، ومذهبهم معروف لنا جميعًا بكامل الوضوح، ومعتقدهم فينا معروف؛ معتقدهم في أهل السنة وخصوصًا فينا نحن السلفيين، واضح معروف، وطموحهم للسيطرة على العالم الإسلامي وتوقانهم إلى تولّي زمام القيادة للعالم الإسلامي، معروف كذلك، وكونهم أصحاب دينٍ طائفي قوميّ موضوع مخترع مصنوع بأهوائهم، كل ذلك معروف تمام المعرفة لدينا جميعا، وشعاراتهم التي يرفعونها معروفة ... ! ومع ذلك فإنهم مثلًا على أتم الاستعداد للتعاون مع أي عدوّ أو مخالفٍ لهم حتى مع أكثر الناس سلفية و «وهّابيّة» كما يسمّونهم، حيثما رأوا أن هذا التعاون والتعامل يحقق لهم مصلحة ولو مؤقتة، ثم ينبذونه في الوقت المناسب ويتنصّلون منه،