-شبكة أنا المسلم: لو حدثتنا عن الحفظ عند الشناقطة، بارك الله فيكم.
الشيخ عطية الله:
نعم يتمتع الشناقطة -وهم أهل الديار الموريتانية- بمقدرة على الحفظ ظاهرة، تفوق ما عرف عن غيرهم في عصورنا هذه، وقد رأينا من ذلك الكثير ورآه غيرنا من الطلبة، والقصة التي أشار إليها أخي مشهورة وهي تحكى عن الشيخ «سيديّا» - رحمه الله -، وهو من أقطاب المدرسة الموريتانية، وهم يحفظون المتون العلمية والشروح نظمًا ونثرًا، وأكثر محفوظهم النظم، فتجد الواحد من أهل العلم يحفظ آلاف بل ربما عشرات الآلاف من الأبيات نظمًا في سائر الفنون؛ لأنهم ينظمون المسائل لكي يحفظوها، فتجد الطالب يحفظ المتن الأصلي في الفن كألفية ابن مالك في النحو، أو متن خليل في الفقه ويحفظ تحت كل جملة من جمله ومسألة من مسائله الأبيات العديدة التي تنظم أقوال العلماء في المسألة وصورها وشروطها وقيودها ونحو ذلك، وقد رأينا من هذا الكثير، ولا سيما في اللغة والفقه.
وكان شيخنا «محمد فال ول آبنِ» -حفظه الله- وختم لنا وله بالحسنى يحفظ شيئا كثيرا يُتعجّب منه، كان يحفظ على سبيل المثال مقامات الحريري وشرحها، ويسردها سردًا كالسورة من القرآن بلا تلعثم! ولو سألته عن كلمة من غريبها -وما أكثره- يذكر معناها في اللغة ويأتيك بدلائل الشعر والنثر والقرآن والحديث، ومع أن المشايخ هناك اهتمامهم بالحديث وعلومه قليل، كان شيخنا المذكور إذا قال: هذا الحديث في البخاري أو ليس فيه، لم يكد يخطئ، وبعد البحث نجده كما قال، فكنا نقول له: يا شيخ تحفظ البخاري، فيقول لا: «إلا طالعتو وتوفْ» يعني طالعته فقط، وهكذا يحفظ الكثير جدا ويسرد بلا تلعثم؛ فإذا سألناه: حفظت الكتاب الفلاني، يقول لا، إنما طالعته فقط!! وكنتُ مرة مع أحد الإخوة الطلبة ذكره الله بالخير وكنا عند الشيخ «محمد السالم ولد عدود» ذكره الله بالخير و-حفظه الله-، وكان درسنا في الألفية وكانت «دالة» صاحبي -نوبته في الدرس- وكان يقرأ على ما أظن -وقد نسيت قليلا- في باب الإضافة، فذكر الشيخ مسألة، فقال: إن ابن مالك اختار هنا هذا الرأي ولكنه في الكافية رجح الآخر، ثم سرد أبياتًا، ما بين خمسة عشر وعشرين بيتا من الكافية، من دون أي تلعثم أو ركاكةٍ في الاستحضار، ثم كأنه تعجب من نفسه، فقال لنا: هذه الأبيات عهدي بها من زمن البلوغ، لم أراجعها ولا أقرأتها لأحدٍ .. ! وعمر الشيخ كان يومها حوالي خمسًا وستين سنةً، بارك الله في عمره، وهو ممن يحفظ الكافية، ولكنه حفظها على شيوخه في زمان الصبا، ولم يلتفت إليها بعدُ بسبب أن هذا النظم