فهرس الكتاب

الصفحة 933 من 1908

«الكافية لابن مالك» تركه أكثر العلماء في محاضر المدرسة الموريتانية ولم يعد أحدٌ يقرأه من أزمانٍ، واستغنوا عنه بما يعرف عندهم بـ «الطرّة» ، وهي الاكحلال والاحمرار، وهي التي وضعها لهم علم أعلام المدرسة الموريتانية وصانع أمجادها: الشيخ «المختار بن بونَ» - رحمه الله -.

والمراد بالاكحلال: نظم ألفية ابن مالك؛ لأنهم كانوا يكتبونه بالأسود، والمراد بالاحمرار ما أضافه «ابن بونَ» من النظم ومزجه مع الألفية، وهو ضعف الألفية -حوالي ألفي بيت- وكانوا يكتبونها بالأحمر تمييزا لها عن أصل نظم ابن مالك فعرفت بالاحمرار، ثم وضع عليها شرحًا، ثم تعاقب عليها الشيوخ الكبار وتلامذتهم كالشيخ «يحظيه بن عبد الودود» وابنه «التاه» والشيخ «مَمّو» وغيرهم فأضافوا إلى الشرح أشياء كثيرة من الأنظام البديعة، وعُرف المجموع بالطرة، واسمها الكامل الذي وضعه لها مؤلفها ابن بون: «الجامع بين التسهيل والخلاصة، المانع من التطويل والخصاصة» (1) إن لم أخطئ قليلا في الاسم، فهو في الحقيقة نظم ما نثره ابن مالك في كتابه التسهيل وأهمله في الخلاصة وهي الألفية، ثم مزجه بالألفية، وفي ظني أنه من أبدع ما ألّف على الإطلاق في علم النحو.

وقد كان الشيخ «محمد بداه بن البوصيري» ? -وهو مقدّم علماء البلد في هذا الوقت- يحفظ شيئا عجبًا من أقوال العلماء في الشروح، حتى إنه أحيانا يسرد قدر صفحة كاملة من كتابٍ ككتاب الفروق للقرافي أو تفسير ابن العربي في خطبته أو درسه ثم يقول: انتهى، ويمضي سريعا في خطبته أو درسه بدون توقف حتى إن من يسمعه ولا يراه يقول هو يقرأ من كتاب.! ولم أقرأ عليه شيئا لكني حضرت له مجالس وخطبًا، وكان ينثر الخطبة مسجوعة غير متكلفة كأنه قد سهر الليل في إعدادها، ولكنك تعرف بدلائل معينة ومن خلال سيرته وأحاديث من عرفوه أنه لم يفكّر فيها أصلا، وربما لم يعرف موضوعها إلا قبلها بدقائق وإنما يرتجلها ارتجالًا، ويأتي فيها بالعجائب .. وقد أخبرنا بعض الشيوخ أنه كان كثير من علمائهم في السابق يحفظون «القاموس» (2) للفيروز آبادي حفظا كالقرآن .. وسمعت أن بعض حفظته لا يزال حيا إلى وقت قريب.

فهذا بعض ما رأيناه وسمعناه .. وعندهم في ذلك حكايات عجيبة.

وفي ظني أن السبب في ذلك راجع إلى عوامل: منها أنهم كانوا أهل بادية وتنقّل وترحال؛ فكانوا يعتمدون على حفظ العلم لا على كتابته، وكان عزمُ الواحد منهم من أول ما يضع قدمه في طريق طلب

(1) اسمه الصحيح: «الجامع بين التسهيل والخلاصة، المانع من الحشو والخصاصة» لابن بونة، وزياداته على قسمين: الزيادات المنظومة، والزيادات المنثورة وهي المعروفة عند الشناقطة بـ «الطرة» ، وقد طُبع المتن طبعة جيدة عام 1424 أعدها: محمد محفوظ بن أحمد.

(2) القاموس المحيط: معجم لغوي كبير، يقع في طبعة الرسالة في 1357 صفحة من القطع الكبير والخط الصغير!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت