العلم ينعقد على أن يحفظ كل شيء يقرأه، فكانت الهمم من البداية عالية لم يصبها كلل ولا مثنوية ولا تعللات، هكذا بهذا الجزم والوضوح: كل ما يقرأه يحفظه لا فرق بين مسألة صغير وكبيرة، مهمة أو غير مهمة، كل شيء.! أما نحن فنقول: هذه مسألة مهمة ركّز عليها واحفظها، وهذه ليست مهمة، ونتعنّى في الحفظ ونتعب.! وكنت في بعض المرات أتكلف حفظ نظم في مسألة، ثم قلت لنفسي: ما فيه فائدة كبيرة هذا -وهو كذلك عندي- ففاتحت فيه شيخنا «عبد الله ول الفغ» ذكره الله بجميل الذكر وعفا الله عنا وعنه، فقال لي: إنك لا تتقن المهمّ حتى تحفظ الكثير مما لا يهم! فعلمتُ أن ذلك من شأنهم ومفاهيمهم التي ساعدتهم.
ثم تنوقل هذا فيهم من جيل إلى جيل، وصار كالخلق المتوارث والعُرف والعادة الراسخة فيهم، ينشأ ناشؤهم عليها، فكان العلم عندهم مرادفًا للحفظ، لا سيما وهم الغالب عليهم التقليد وعدم الاجتهاد وعامة أعلامهم الكبار ممن صنعوا تلك المدرسة العريقة الكبيرة كانوا على الاعتقاد بانغلاق باب الاجتهاد في الفقه، مع أنهم بلغوا مراتب عالية في امتلاك آلة الاجتهاد، فهذا ثبّت عندهم أن العلم هو الحفظ .. ولم تكن عندهم الكتب والمكتبات كما الآن .. فكان لا بد أن يكون العلم في الرأس.! والاعتماد على الاستحضار لا على الاستحصال.
ومنها أنهم أهل صحراء وطبيعة بسيطة قريبة إلى الفطرة، لم يشبها الكثير من آثار التمدّن، وينشأ الناشئ فيهم في الصحراء ورمالها وآفاقها يرى الشمس تشرق من هنا ثم عندما تغرب تغوص هناك في الرمال!! ويرى النجوم في غسق الليل كما كان يراها العربي القديم فيحفظ أسماءها وأبراجها وفنونها وما قيل فيها من شعر العرب الأوائل وآدابهم وغير ذلك.
بالجملة أظن أن طبيعة الصحراء معينة على الحفظ، والله أعلم.
فائدة: الحفظ موجود عند كثير من أهل العلم في أقطار الأرض، وإنما على العموم الموريتانيون تميزوا فيه عن غيرهم، وقد قرأت في ترجمة كتبها الشيخ الإمام «محمد البشير الإبراهيمي» صاحب الإمام «ابن باديس» وهما من علماء الجزائر ومؤسسا جمعية علماء المسلمين أيام الاحتلال الفرنسي، أقول: قرأت للشيخ الإبراهيمي ترجمةً كتبها لنفسه بطلبٍ من مجمع اللغة العربية في القاهرة حين اختاروه عضوا شرفيا فيه، مما جاء فيها وقد تكلم عن ما أوتيه من مقدرة على الحفظ، يقول ما مثاله بقريب من حروفه: «وقد أوتيت مقدرة على الحفظ يُتعجّب منها، تشهد بصدق ما ورد عن السلف في