فهرس الكتاب

الصفحة 935 من 1908

ذلك» (1) أي ما ورد عنهم في قوة الحفظ، وأنهم كانوا إذا قرأوا شيئا حفظوه ولم ينسوه، ثم حكى عن نفسه عجائب .. وقد كان أعجوبة بالفعل - رحمه الله - ورضي عنه، وقد حكى عنه الشيخ «علي طنطاوي» - رحمه الله - مرة في إحدى مقالاته أنه لما كان في دمشق معهم كان مرة معه في بعض الطريق في سفر، فظل الشيخ «الإبراهيمي» يسرد الشعر الكثير، قال فتعجّبت من حفظه فقلت له: لو استعملت هذه القدرة على الحفظ في حفظ الأحاديث وكذا وكذا، فقال لي: إنني لم أحفظ شيئا -أي لم أتعنّ ولم أتكلف حفظه- وإنما قرأته فعلِق، أو كما قال (2) ؛ فسبحان الله.!

نسأل الله تعالى أن يفتح علينا وعليكم في العلم والعمل، إنه كريم وهّاب.

(1) قال الإبراهيمي - رحمه الله - محدثًا عن نفسه: «حفظت القرآن حفظًا متقنًا في آخر الثامنة من عمري، وحفظت معه- وأنا في تلك السن- ألفية ابن مالك وتلخيص المفتاح، وما بلغت العاشرة حتى كنت أحفظ عدّة متون علمية مطولة، وما بلغت الرابعة عشرة حتى كنت أحفظ أَلْفِيَتي العراقي في الأثر والسير، ونظم الدول لابن الخطيب ومعظم رسائله المجموعة في كتابه ريحانة الكتاب، ومعظم رسائل فحول كتاب الأندلس كابن شهيد وابن أبي الخصال وأبي المطرف ابن أبي عميرة، ومعظم رسائل فحول كتاب المشرق كالصابي والبديع، مع حفظ المعلقات والمفضليات وشعر المتنبي كله وكثير من شعر الرضي وابن الرومي وأبي تمام والبحتري وأبي نواس، كما استظهرت كثيرًا من شعر الثلاثة جرير والأخطل والفرزدق، وحفظت كثيرًا من كتب اللغة كاملة كالإصلاح والفصيح، ومن كتب الأدب كالكامل والبيان وأدب الكاتب، ولقد حفظت وأنا في تلك السن أسماء الرجال الذين ترجم لهم نفح الطيب وأخبارهم وكثيرًا من أشعارهم، إذ كان كتاب نفح الطيب- طبعة بولاق- هو الكتاب الذي تقع عليه عيني في كل لحظة منذ فتحت عينيّ على الكتب، وما زلتُ أذكر إلى الآن مواقع الكلمات من الصفحات وأذكر أرقام الصفحات من تلك الطبعة، وكنتُ أحفظ عشرات الأبيات من سماع واحد مما يحقق ما نقرأه عن سلفنا من غرائب الحفظ .. وكان عمّي يشغلني في ساعات النهار بالدروس المرتبة في كتب القواعد وحدي أو مع الطلبة ويمتحنني ساعة من آخر كل يوم في فهم ما قرأت فيطرب لصحة فهمي، فإذا جاء الليل أملى علي من حفظه- وكان وسطًا- أو من كتاب ما يختار لي من الأبيات المفردة أو من المقاطيع حتى أحفظ مائة بيت، فإذا طلبت المزيد انتهرني وقال لي: إن ذهنك يتعب من كثرة المحفوظ كما يتعب بذلك من حمل الأثقال» انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (5/ 165) . قلتُ: وهذا والله من عجائب الدهر التي يكاد العقل يطيش بتصور حدوثها فضلا عن حصولها عيانا في زمانه؛ فنسأل الله من فضله العظيم.

(2) قال الشيخ علي الطنطاوي في: ذكرياته (5/ 52) وهو يتحدث عن الشيخ البشير الإبراهيمي: «قد كنّا يومًا معًا في سيارة واحدة من القدس إلى دمشق، وكنت إلى جنب السائق حيث تعوّدت أن أركب دائمًا (حتى إني إن ركبت داخل السيارة توهّمت أنه دار رأسي وضاق نفَسي) . وكنّا نتحدّث، فتعبَت رقبتي من الالتفات إليه لأنني لم أكُن أتلو بيتًا من الشعر إلاّ قال: إنه لفلان الشاعر من قصيدة كذا، وسرد عليّ القصيدة كلها أو جلّها .. فقلت: كيف حفظت هذا كله؟ قال: وأخبرك بأعجب منه، فهل تحبّ أن تسمع؟ قلت: نعم .. فراح يقرأ عليّ مقالات لي كاملة ممّا نُشر في «الرسالة» أو مقاطع كثيرة منها، ما كنت أنا نفسي أحفظها. قلت: يا سيدي، الشعر فهمت لماذا تحفظه، فلماذا حفظت مقالاتي وما هي من روائع القول ولا من نماذج الأدب؟ قال: ما تعمّدت حفظها، ولكني لا أقرأ شيئًا أحبّه وأطرب له إلاّ علق بنفسي فحفظته» اهـ، وهذه آية صدقِ إخباره عن نفسه فيما ذكرناه من قبلُ، نسأل الله التوفيق والفضل.!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت