فهرس الكتاب

الصفحة 800 من 1908

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}

لم يزل طلب العزة دأبَ البشر؛ لا جرم أن الإنسان معترفٌ في قرارته بحقيقة حقارته، وفقره وعجزه وحاجته.

فمن الناس من ابتغاها في الأموال والمِلك، ومنهم من ابتغاها في الرياسة والمُلك، ومنهم من ابتغاها في الأنصار والأولاد والعشيرة: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34] ، {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [العنكبوت: 25] ، {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } [النساء] ، ومنهم من ابتغاها في شركاء من دون الله يعبدهم {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) } [مريم] ، فكان كما قال الله: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) } [العنكبوت] .

الكل باحثٌ عن العزة طالبٌ لها، وأكثرهم فاسقون وعن الصراط ناكبون: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) } [الملك] ، فهدى الله أهلَ الإيمان به واتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلى مصدر العزة ومنبعها وسبيلها وطريق تحصيلها: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10] ، «و {مَنْ} اسم شرط وما بعده فعل الشرط، والجمع بين {كَانَ} و {يُرِيدُ} للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها، وجملة: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} دليلُ الجواب، ولا يصح أن يُجعلَ جوابًا للشرط من حيث الصناعة النحويّة لخلوه عن ضمير يعود على {مَنْ} ، وقد قالوا: لا بدّ أن يكون في جملة الجواب ضمير يعود على اسم الشرط إذا لم يكن ظرفا، والتقدير: من كان يريد العزة فليطلبها من الله تعالى فلله وحده لا لغيره العزة فهو سبحانه يتصرف فيها كما يريد؛ فوضع السبب موضع المسبَّب لأن الطلب ممن هي له وفي ملكه جميعها مسبَّبٌ عنه، وتعريف العزة للاستغراق بقرينة {جَمِيعًا} وانتصابُهُ على الحال، والمراد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت