فهرس الكتاب

الصفحة 801 من 1908

عزة الدنيا والآخرة، وتقديم الخبر على المبتدأ للاختصاص» (1) .

وبيّن ربنا - عز وجل - غلط الغالطين في طلب العزة من غير محلها: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } [النساء] «وقد علم الله - عز وجل - أنهم كانوا يريدون الاعتزاز، لأن الإنسان مجبولٌ على طلب العزة؛ فمخطئٌ أو مصيبٌ، فمعنى الآية والله أعلم: بلغ هؤلاء المتخذين الكافرين أولياء من دون الله ابتغاءَ العزة بهم؛ أنهم قد أخطأوا في مواضعها وطلبوها في غير مطلبها؛ فإن كانوا يصدقون أنفسهم في طلبها، فليوالوا الله - جل جلاله - وليوالوا من والاه» (2) .

فيا من تريد العزة وتطلب العزة، وتتحاشى عن الذلة: عليك بربك العزيز المجيد الكبير المتعال؛ فإن العزة جميعَهَا له وعنده وبيده، يؤتيها من يشاءُ ويمتعها من يشاء: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) } [آل عمران] .

ويا من تريد عز الدنيا والآخرة: عليك بطاعة مولاك العزيز الغالب على أمره، القاهر فوق عباده، المتصرف في خلقه كما يشاء، الفعّال لما يريد، الذي لا رادَّ لقضائه ولا معقب لحكمه، وهو العزيز الحكيم الذي العزةُ إزارُهُ والكبرياءُ رداؤُهُ؛ فالزم طاعته وخدمته، وكن أبدًا في صفه وجانبه، وَحِّدْه، وتذلل إليه واخضع، وانكسر وتواضع، يرفعْك ويعزّك، ولا تكن من المخالفين المحادّين فتذل؛ فإن العزة في طاعته والذل والخسران في معصيته: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) } [المجادلة] ، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } [المنافقون] .

نعم؛ المنافقون لا يعلمون!، لا يعلمون أن العزة لله ولمَن والى الله وكان في صفِّ الله، فراحوا يطلبونها من غير محلها وعندَ من لا يملكُها، يتعزّزون بالأولياء من دون الله: {يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} [النساء] ، المنافقون لا يعلمون هذه المعاني ولا تكاد تستقرُّ في قلوبهم، وإن طافت بها أحيانًا كالخيال!!

أما أهل الإيمان فقد وُفقوا وسُدّدوا واستبانت لهم الطريق وأبصروا بما آتاهم الله من النور سبيلَ العزة في الدنيا والآخرة، وشكروا نعمةَ الله أن أعزهم بهذا الدين؛ كما قال أحدُ قدواتهم العظام -سيدنا

(1) روح المعاني للألوسي (11/ 346) ، بتصرف يسير. [المؤلف؛ دون العزو، ودون: روح المعاني]

(2) البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/ 131) . [المؤلف؛ دون العزو، ودون: البرهان في علوم القرآن]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت