في تصوّري أن أهم جهاد تقوم به المرأة هو وقوفها مع الرجل؛ زوجًا كان أو ابنًا أو أخًا أو غيره، أعني «وقوفها وراءَه» كما يُقال في لغتنا الاستعمالية؛ بمعنى أن تكون معه مشجعة دافعة فرِحة مؤيدة حاملة لهمه حافظة لسرّه أمينة عليه وعلى شأنه .. إلخ، وذلك يتطلب حظًا وافرًا من «الحق والصبر» ، وأنا أعتقد أن جزءًا كبيرا من مهمة إصلاح الرجال يتم عن طريق إصلاح النساء، وأن جزءًا كبيرًا من عطاء وبذل الأبطال وراءه نساءٌ شامخات ..
ولا بأس أن أحكي شيئا خطر ببالي الآن وأنا أكتب هذه الكلمات لتصوير الفكرة؛ فإنني رصدتُ في تجارب الإخوة الذين ابتلوا بالسجن في بلادٍ كثيرة شيئا عجيبًا تكفي حكايته عن شرحه، يحدثنا الكثير من الإخوة يقولون: كنا في السجن؛ فيأتي يوم الزيارة، زيارة الأهل لذويهم من الرجال المسجونين، من وراء القضبان، ربما لمدة خمس أو عشر دقائق، فتجد عجبًا؛ تجد بعض الإخوة تأتيه زوجته تزوره فينقلب بعد زيارتها له بطلا وعملاقا قوةً وصلابة وهمة وصبرًا وانشراحَ صدر وقدرةً على الصمود والمقاومة لكيد الكفرة الظلمة، قد أخذ من هذه الزيارة شحنةً لشهورٍ آتية ..
وتجد آخر تأتيه زوجته تزوره كمثل الأول، لكن ما إن تنتهى الزيارة حتى تجد الرجل محطّما محبطًا كئيبًا منهارًا والعياذ بالله، قلقًا مضطربًا ضيّق الصدر، ازداد همًّا على همه وغمًّا إلى غمه، وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
والسبب أن الأول تأتيه زوجته مصبّرة مبشرة مشجعة، تقول له: نحن بخير ولا ينقصنا شيء إلا تفريج كربك وحصول حريتك قريبا إن شاء الله، ونحن جميعًا ندعو لك، وساعون لكم، واصبر يا زوجي واثبت والله معك، ولا تقلق علينا ولا تخف، وأولادك بخير كلهم، والحمد لله أهلك طيبون معنا وإخوانك وأخواتك ويعاملوننا أحسن وأعظم معاملة؛ احترام وشفقة ورحمة إحسان وسعي في مصالحنا وسهر علينا، والإخوة ما قصروا، والجميع يخدمنا .. إلخ.
والثاني تأتيه زوجته فتقول له -بجهلها وقلة عقلها-: «خصّنا وخصّنا» و «مشتاقين الخبزة مش امحصّلينها» و «أخوك قال وما قالش» و «أمك .. وأختك .. » وفعلوا فيّ وقالوا لي، والأولاد ضربوهم .. إلخ، من كلام النسوان الجاهلات؛ فيسودّ وجهه المسكين ويتحطّم، نسأل الله أن يعافينا وإخواننا وأخواتنا جميعًا.
فانظروا إلى بُعدِ ما بين المثالين .. الله أكبر.!
ولا بد أن نلاحظ أنه في المثال الأول قد يكون كلام المرأة بعضُه أو كثيرٌ منه كذبٌ؛ بمعنى أنها