بمقتضى قراءته للفاتحة، فهذا السؤال والدعاء الواجب على الإنسان أن يدعو به كل يوم، هل يوجد دعاء آخر يدعو به الإنسان؟ لا، اللهم إلا أن تكون مواضع مخصوصة لا تخضرني الآن.
لكن هذا الدعاء واجب ولا يتم دين المرء إلا به؛ لأن الصلاة بدون فاتحة خداج، ومن لم يُصلِّ بها يمكن أن دينه كله يصير خداجًا.
فالفاتحة سرها في سؤال الله الهداية بقولنا: {اهْدِنَا} وذلك لأن ما قبلها توطئة لها وتوسلٌ للوصول إليها، وما بعدها تكميل لها، وتأمل آياتها:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } يقول الله: (حمدني عبدي) ، وهذا حمد لله أي: إثبات المحامد كلها له، والحمد هو الثناء بالجميل على الجليل - سبحانه وتعالى -.
{رَبِّ الْعَالَمِينَ} وصف لله - سبحانه وتعالى - صفة جارية على المنعوت وهو لفظ الجلالة.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) } فيقول الله - سبحانه وتعالى: (أثنى علي عبدي) .
الفرق بين الحمد والثناء، وهو تفريق أشبه ما يكون بالتفريق بين المترادفات (1) ؛ فالفرق بينهما طفيف، ثناء على الله - سبحانه وتعالى - بذكر صفات الكمال والجمال والجلال.
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } هذه إن قالها العبد يقول الله - سبحانه وتعالى - كما جاء في الحديث: (مجدني عبدي) (2) .
وفي هذا دلالة على أن المجد هو ذكر الصفات المتعلقة بالملك والعظمة وكذا، وكل هذه الألفاظ؛ الثناء والتمجيد هي حمد ومدح لله - سبحانه وتعالى -.
ثم قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } وهذا تلقين من الله - سبحانه وتعالى - للعبد أن يقول هذا، كأنه يقول له: يا عبدي قل هكذا، والعلماء اتفقوا على أنه تلقين منه - سبحانه وتعالى - للعبد لا يمكن غيره، وقد تكلم علماء البلاغة على أنه يوجد هنا «الالتفات» ، والالتفات: هو التحول من ضمائر الغيبة إلى ضمائر الخطاب؛ فكان يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يتكلم عن غائب، إلى أن قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ولم يقل: إياه! وهذا يسمى بالالتفات في
(1) أفاد كلام ابن القيم في «الوابل الصيب» (ص 88) أن الحمد: هو الإخبار عن الله تعالى بصفات كماله مع محبته والرضا به، والثناء: هو تكرير المحامد.
(2) صحيح مسلم (395) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ؛ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) } ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) } ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي- فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ).