فهرس الكتاب

الصفحة 1539 من 1908

مثال ثانٍ: أن تصبر قليلًا؛ فأنت لا تعرف متى يأتيك الموت، تصبر قليلًا تحارب أعداءك فتُقتل وتذهب للنعيم الذي لا يمكن أن يتصوره عقل إنسان.

ماذا ستختار؟ العاقل سوف يختار الثاني، أما الذي يختار الأول فهو مجنون ليس فيه عقل.

ولذلك فالكفرة ما عندهم عقول أصلًا، بل هم أحط من الحيوانات، ولهذا قال الله - سبحانه وتعالى - عنهم: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) [الفرقان] وعند التحقيق هم أضل بالفعل؛ لأن الحيوان بسيط، خلقه الله يعيش ويموت، هكذا خُلق فلم يخالِف، أما الإنسان فقد هُيئ لشيء فتركه، بعث الله لهم رسلًا يرفعونهم إلى الكمال ويدعونهم إلى الخير فأعرضوا قائلين: اذهبوا عنا نحن لا نريد الرسل. وتجدهم يذهبون للانغماس في الضر والفساد، وفي أسباب العذاب وطريق الهلاك!

الله يريد أن يكرمهم وهم يرفضون نعم الله وكرامته وهديته وعطاءه ويتكبرون؛ فلا عقل لهم.

وحتى على مستوى البشر، فالإنسان تسعى بكل قواك أن تخدمه وتعمل له، وهو يرفض الخير منطلقًا للشر والهلاك، فهذا هو مثال حياة الدنيا والآخرة.

فالإنسان محتاج أن يفكر في العواقب وأن ينظر إلى الأشياء نظرًا كليًا لا نظرة حالية، وإنما نظرة في المآل وما يؤدي إليه؛ وعودة إلى «الهداية» نقول: يحتاج المرء إلى أن ينظر إلى معرفة الخير والشر والنافع والضار، ولكن بالمعاني الكلية، الخير في الحال والمآل، والحق والصلاح والنفع والحسن، وأضدادها كالقبح والفساد والمضرة والشر؛ فيحتاج المرء إلى النظر فيها وفي معانيها ويحققها ليحكم عليها في الحال والمآل، يعني نظرة كلية، والمرء لا يصل إلى هذه إلا بتوفيق الله - سبحانه وتعالى -.

والله - عز وجل - جعل الهداية أعظم المقاصد على الإطلاق؛ لأن كل الدين والدنيا والآخرة في الهداية، ومبنى الهداية على توفيق الله - سبحانه وتعالى -، ولذلك سماها العلماء: «هداية التوفيق» وهي أن يهتدي الإنسان للخير فيفعله، ويهتدي للشر فيعرفه ويجتنبه، ويكون ثابتًا عليها مستمرًا إلى أن يتجاوز مرحلة الاختبار وينجح، هذه الهداية لها أسباب، وسنتكلم عن أسباب الهداية وموانعها.

كتب لي أحد المشايخ رسالة قال فيها: «سر الفاتحة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } الفاتحة]» ، فعلقت عليها قائلا: «سر الفاتحة هو {اهْدِنَا} [الفاتحة: 6] » .

إذا صح أن نسميَ شيئا: سر الفاتحة ولبها وقلبها وهي ما تنتهي إليه؛ فهي كلمة {اهْدِنَا} ؛ لأن سورة الفاتحة التي أوجب الله - سبحانه وتعالى - على المسلم في اليوم أن يقرأها مرات متعددة: إحدى عشر مرة لمن يقصر صلاته كحالاتنا الآن، ولمن يقيم ويتم صلاته سبعة عشر مرة، وواجب عليه أن يسأل الله الهداية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت