جانب الهداية تجده سخيفًا ويعبد فأرًا! لو ذهبت إلى الهند لوجدتَ علماء في الذرة يعبدون بقرة أو فأرًا؛ هذا أغبى خلق الله، فالذكاء يتجزأ، لكن هذا وضع عقله في جانب معين وفُتح عليه فيه، وأعطاه الله فيه فاستنفذ قوته فيه واستغرقه هذا الجانب، لكن الجانب الآخر وهو الأهم وهو الذي يرتبط به مصيره إلى ما لا نهاية، لا يعير له اهتمامًا! لهذا كان المؤمن أكمل الناس عقلًا، الذي اختار الآخرة على الدنيا في حال تعارضهما.
مثال ذلك: لو قلتَ لإنسان: لديك اليوم أربعة وعشرين ساعة تعيش فيها برفاهية، تدخل إلى قصر تجد أمامك أنواع المآكل والمشارب والمناظر وصنوفها، وزوجة حسناء؛ فتمتع فيها، لكن غدًا سوف تحرق على شمعة وتعذب إلى أن تموت وبعدها نقطعك ونفعل بك الأفاعيل، هذا خيار عندك، أو تصبر هذه الأربع وعشرين ساعة حتى لو جعت وعطشت فقط استعِن بالله وقوِّ عزمك، ولو صبرتها فسيكون القصر ملكك على الدوام.
فالعاقل سيختار الثاني، ومن اختار الأول فهو إنسان جاهل؛ لأنه سيتمتع قليلًا وبعدها سيعذب عذابًا مهينًا؛ فنحن عندما أتينا بمثال الحرق في الدنيا فإنه في الدنيا سيموت لا شك، لكن في الآخرة لا يوجد موت: (يؤتى بالموت بين الجنة والنار على هيئة كبش فيُذبح ويُقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت) (1) .
{لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [طه: 74] ، {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) } جاء في الأثر عن بعض السلف -لعلها مأخوذة من الإسرائيليات- قيل: فيجيبهم بعد ألف سنة: {قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) } (2) [الزخرف] .
يقال: لو يموت الإنسان من الحسرة لمات في ذلك الوقت {يَدْعُو ثُبُورًا} أي: يدعو على نفسه بالهلاك لكنه لا يموت، فقط عذاب، ينتهي شيء اسمه موت، أيقنت الناس من أهل الجنة وأهل النار أنه لم يعد هناك موت؛ فأهل الجنة يفرحون فرحًا عظيمًا، وأهل النار يكادون يموتون من الحسرة والكمد، ولو وجد الموت في الآخرة لم يخَف الإنسان ولبقي مرتاحًا وفرحًا، فلو كانت مجرد نار تعذب فيها وتخرج ليست مشكلة؛ لكن المشكلة أنه ليس هناك موت، عذاب لا ينقطع، فأنت خلال أربع وعشرين ساعة فعلت كل شيء تريده ثم تذهب العذاب المهين للأبد!
(1) صحيح البخاري (4730) ، صحيح مسلم (2849) .
(2) انظر: تفسير الطبري (19/ 76) ، تفسير البغوي (7/ 222) ، رُوي هذا الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وعبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -.