وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) [الأعراف] .
فأول أسباب الهداية: العبودية لله - سبحانه وتعالى -؛ بالبحث عن الهداية والخير، حال كون الإنسان معترفًا بأنه عبد لله، حقير جاهل ضعيف إن لم يوفقه الله - عز وجل - فلن يوفَّق، قال - سبحانه وتعالى - في مواضع من القرآن: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} ، {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) } [يوسف] ؛ فبين لنا أن هناك أشياء تضاد الهداية وهي موانعها: كالكفر والظلم والفسق والخيانة والتكبر والعلو في الأرض، كل هذه موانع للهداية.
الهداية ليست معرفة الخير فقط، ولكن أن يعرف الخير ثم يعمل به؛ ولهذا في ظلمات الحيرة والتردد والشكوك وعندما تأتي فتن الأفكار والمناهج التي يُبتلى بها الإنسان في الدنيا وفي الاجتماع البشري والمضايق يحتاج المرء حينها إلى الهداية، والموفَّق والمهتدِي هو الذي يهديه الله - سبحانه وتعالى - فيوفقه لاختيار القول الصحيح ويفعل الفعل الصحيح ويكون في المكان الصحيح مع من ينبغي أن يكون معهم.
كيف يوفق المرء لهذا؟ بتوفيق من الله - سبحانه وتعالى -، والله - عز وجل - أجرى أقداره كلها بأسباب، أهم سبب هو العبودية لله - سبحانه وتعالى - بكل معانيها كالخشوع والخضوع والإنابة والتواضع والإلحاح على الله - سبحانه وتعالى - وطلب الهداية والاعتراف والإقرار بجهل الإنسان وضعفه ومسكنته وافتقاره إلى الله - سبحانه وتعالى - أنه إن لم يهده الله لا يهتدي؛ قال الله - عز وجل - في الحديث القدسي من حديث أبي ذر: (يا عبادي؛ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تَظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) (1) أي: اطلبوا مني أن أهديكم.
العبودية تستطيع أن تقول أنها السبب الجامع، لكن نحن نتكلم في بعض تفاصيلها سبب الهداية الأساسي، خشية الله - سبحانه وتعالى -، الإنابة والتواضع والافتقار لله - عز وجل -، كثرة الدعاء وسؤال الله الهداية، الإلحاح على الله أن يهديه ويفتح عليه، إذا فتح الله - سبحانه وتعالى - على العبد في العبودية وعرّفه بقدر نفسه وأنه عبد لله ولجأ إلى الله، الله يهديه وبعدها لا تَخف عليه، إنما قد يكون الإنسان في الجملة عبد لله - سبحانه وتعالى - معترف بالعبودية لله مسلم خاضع له - سبحانه وتعالى -.
الإسلام: هو إسلام الوجه لله - سبحانه وتعالى -، الاستسلام لله - سبحانه وتعالى - وحكمه وشرعه، أسلم الإنسان ولكن فيه انحراف وفيه معاصي وفسوق وعصيان لم يهتدِ في أبواب تفصيلية جزئية وإنما اهتدى الاهتداء الكلي
(1) صحيح مسلم (2577) .