الجملي، أي خضع للإسلام على الجملة صار مسلمًا لكنه قد يكون ضالًا ضلالا عقديا تصوريا مقاليا، أو ضلال عمليا؛ ككونه فاسقًا يشرب الخمر ويفعل المنكرات، فهذا الله - سبحانه وتعالى - حرمه من أنواع الهداية، من أجزاء منها، أي أن هدايته ليست كاملة، وعندما تنقب الأسباب التي أدت به إلى أن لا يهتدي الاهتداء الكامل لا بد أن هناك أسباب، والسبب الجملي لا بد أن يكون حاضرًا وهو نقص العبودية، كل ما كملت عبودية الإنسان لله - سبحانه وتعالى - وحققها تحقيقًا كاملًا كان أهدى؛ فالله - سبحانه وتعالى - يهديه ويوفقه، إذا نقصت عبوديته فتنقص هدايته بحسبها، قد يكون من تفاصيلها بعض من الآيات التي أشرنا إليها، قال - سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
ولهذا من أسباب الهداية أن يقوم الإنسان بالقسط، أن يكون منصفًا عادلًا، أن يحرص الإنسان في حياته كلها ومسيرته إلى النفس الأخير أن يكون من أهل تحقيق الحق والعدل والإنصاف والقيام بالقسط لا يرضى بغير هذا، يبتعد عن الظلم بكل معانيه فلا يظلم صديقا ولا قريبا ولا بعيدا ولا عدوًا .. لا يظلم أحدًا.
الظلم: ضد العدل، وهو عدم إعطاء المستحق حقه، عدم إعطاء الأشياء حقها، كل شيء له حق.
والعدل بضده: وهو إعطاء كل شيء حقه ووضْع كل شيء في محله، أي إذا وجدنا شيئا جيدًا نقول جيد، شيء ممتاز نقول ممتاز ونقول هذه أحسن من هذه، العدل في كل شيء.
غالبًا الإنسان في هذه الأمور يعرفها بالعقل كالظلم والعدل ويفرق بينها، لكن كون الإنسان يلتزم بهذا المبدأ ويجعله مبدأه الذي لا يحيد عنه أبدًا، أن يقوم بالقسط، قال - سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} [النساء: 135] نقوم بالقسط، وأن لا يظلم أبدًا، ويعلم أنه إذا ظَلم فبقدر ظلمه يمنعه الله من الهداية، يصرف عنه التوفيق، ترتفع عنه فتوحات الله - سبحانه وتعالى -، وإذا قام بالقسط وحقق الحق وكان مع الحق فإن الله - سبحانه وتعالى - يهديه ويوفقه وتؤدي الحسنة إلى حسنة أخرى ويفتح الله عليه العمل الصالح والحسنات.
إذن، من أسباب الهداية التوقِّي من موانعها، ومن موانعها الظلم، ومنها الكفر بالله إذا كان بمعناه الأكبر وهو الشرك والكفر الأكبر فهذا أقصى درجاته وهو الخروج من الهداية بمعناها الكامل والخروج من الإسلام، وان كان بمعنى الكفر الأصغر فهو المعاصي، جملة المعاصي كبيرها وصغيرها، ومنها كفر النعمة فكل الذنوب والمعاصي هي من أنواع الكفر ومن أجزاء الكفر .. فهذا بحسبه أيضًا يؤثر بالهداية.
الخيانة من موانع الهداية، فالله - سبحانه وتعالى - لا يهدي الخائنين؛ لأن الخيانة ضد الأمانة فالله - سبحانه وتعالى - استأمنك على شيء، العبودية كلها أمانة، والعبادات كلها أمانات، تكاليف الله كلفنا بها واستأمننا عليها أن نؤديها؛