فإذا نقصت أمانة الإنسان بحسبه تنقص هدايته وينقص حظه من الهداية، مطلوب من هذا العبد أن يكون عبدًا لله سائرًا مع أمر مولاه مفضلًا لما يفضله مولاه محبًا لما يحبه مولاه، فإذا عمل بعكس ما يحبه الله فيكون خان الله وخان أمانته فإن الله يعاقبه ويحرمه من الهداية بمقدارها، والله - سبحانه وتعالى - حكَم عدْل، قال - عز وجل: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) } [الكهف] .
هذه بعض أسباب الهداية، وخلاصتها: تحقيق معنى العبودية لله، لكن في المقالات وفي مسائل الفكر وغيرها يستعين الإنسان بهذه المعاني؛ يعلم أنه عبد لله إن لم يهده الله لا يهتدي، يعلم أن الهداية من عند الله {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس: 99 - 100] .
الهداية كلها من عند الله {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) } [القصص] ، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43] .
إذن، لا يمكن للإنسان أن يهتدي إلا أن يهديه الله ويوفقه ويعينه .. هذا الأمر يعترف به الإنسان بكل ما يملك من قوة ويقر به في نفسه ويتمثله ويجعله ممزوجًا في لحمه وعظمه وشحمه، يحقق عبودية الله - سبحانه وتعالى - ويلح عليه ويلجأ إليه - سبحانه وتعالى - أن يهديه، يبتعد عن الظلم والخيانة والفسوق والتمرد والخروج عن أمر الله - سبحانه وتعالى - فيوفقه، يبحث عن الخير وعن الهداية عازمًا أنه إذا ظهر له الخير فعله وكان مع أهل الخير، فالله - سبحانه وتعالى - يوفقه ويهديه .. هذه أهم أسباب الهداية.
ومن موانع الهداية أيضًا: هذه الحجب التي تكلمنا عن بعضها، فمن العوائق والموانع عن الهداية: حجاب العادة والإلف وحجاب الطبع، يتعود عليه الإنسان ويألفه بحيث يصبح صعبًا عليه تركه، فهذه الحجب على الإنسان أن يكون مستعدًا دائمًا أن يتخلص منها ويتجاوزها، حجاب العادة والإلف والمواضعات البشرية التي تكونت من خلال ملامساتهم لبعض في الاجتماع.
من موانع الهداية: اتباع الهوى.
الهوى: ميل النفس إلى شيء تهواه؛ أي تميل نفسك إليه، وهذا تعريف بسيط للهوى.
والنفس تميل إلى الشيء الذي يضرها والشيء الذي ينفعها؛ فالنفس تهوى الراحة، وتهوى الأشياء التي تلائمها وتلتذ بها، ولكن من الممكن أن يكون هذا الذي تلتذ به النفس ضارًّا؛ فجاءت الشريعة بالنهي عن اتباع الهوى وبُعث الرسل كلهم بالنهي عن اتباع الهوى، والرسل الذين أرسلهم الله، والكتب التي أنزلها الله جاءت كلها آمرة بمحاربة الهوى، وناهية عن اتباع الهوى.