(ومن يتصبّر يصبّره الله، ومن يستعفف يعفّه الله) (1) ، وبالله التوفيق وعليه وحده الاعتماد، والحمد لله رب العالمين.
قال النووي - رحمه الله: «وحمَله عليٌ - رضي الله عنه - على ظاهره ولم يلتفت بعينه حين احتاج، وفي هذا حملُ أمره (على ظاهره» اهـ. قلتُ: ويشبه ذلك من بعض الوجوه قصة أبي سعيد بن المعلّى - رضي الله عنه - حين ناداه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو كان في الصلاة؛ عن أبي سعيد بن المعلّى قال: «كنتُ أصلي في المسجد فدعاني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه، فقلت يا رسول الله: إني كنت أصلي، فقال: (ألم يقل اللهُ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ثم قال لي:(لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد) ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟، قال: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه البخاري (2) .
قال أكثر العلماء: إن ذلك خاصٌّ بالنبيّ -صلى الله عليه وسلم-؛ أعني وجوب إجابته في الصلاة، لكن المقصود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لام أبا سعيد - رضي الله عنه - على عدم إجابته رغم أنه كان يصلي، واحتج أبو سعيد بأنه كان يصلي فلم يُرد أن يقطع الصلاة ولكنه تجوّز فيها وأسرع؛ ثم جاء، فبيَّن له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يجب عليه إجابة دعائه فورًا، وتلا عليه قول الله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ؛ ففيه تنبيه إلى تأكّد حمل الكلام على ظاهره أيضًا، وهو القدر المشترك بين القصتين الذي أشرنا إليه.
قال السنديّ في «حاشيته على البخاري» : «مطلقُ الأمر وإن كان لا يفيد الفور، لكن الأمر ههنا مقيد بقوله {إِذَا دَعَاكُمْ} أي الرسولُ؛ فيلزم الاستجابة وقتَ الدعاء بلا تأخير» (3) اهـ، ونقل الحافظ في «الفتح» عن الخطابي أن الحديث فيه: «استعمال صيغة العموم في الأحوال كلها وإجراء لفظ العموم على جميع مقتضاه» (4) اهـ، ومرادُه العمومُ المدلولُ عليه بـ {إِذَا} .
ومنه تعرفُ عظم وسَعَةَ فائدةِ العموم في كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فليتنبّه إلى هذا طالب العلم.
نسأل الله تعالى أن يزيدنا وإياكم علمًا، ويرزقنا الفقه في الدين .. آمين.
(1) صحيح البخاري (1469) وقد تقدم.
(2) صحيح البخاري (4474) .
(3) لم أقف عليه في: حاشية البخاري، ولعل الشيخ عزاه خطأ إليه فإني وقفت عليه في: حاشية السندي على النسائي (2/ 139) .
(4) فتح الباري (8/ 158) اختصارًا.