فهرس الكتاب

الصفحة 1038 من 1908

وصرّحوا أن احتياط الإنسان لنفسه مستحبٌّ، لكن ليس لأحدٍ من سلطانٍ أو مفتٍ أن يحرّج على الناس بحملهم على الاحتياط.

ولذلك نقول رجوعًا إلى مسألتنا: إذا اتضح للناظر المعين (المجتهد، أو من كان في حكمه) بشكل راجح وهو غلبة الظن أو اليقين، أن هذا الأمر هو من أحدِ الطرفين بدعة، أو غير بدعة بل مشروعٌ، فإنه يعمل بما تبين له.

فإن حصل التردد في الأمرِ هل هو بدعةُ أو لا، ولم يستطع الترجيح لا بنفسه (مجتهد أو متبع) ولا بواسطة غيره (وهي حالة العاميّ المقلد للعلماء الموثوقين عنده) فإنه يحتاطُ، ويترك ذلك الأمر خوف كونه بدعة.

هذا هو الأصل .. إلا إذا كان يقع في حرجٍ بترك ذلك الأمر، وذلك بظهور الحاجة إلى فعله، فحينها لا بأس بالإقدام على الفعل، لأن الحاجة ترفع الكراهة، بمعنى أنها تبيح الإقدام على المكروه، ولا كراهة فيه حينئذٍ للفاعِلِ المحتاج .. والله أعلم.

معنى البدعة: ثم اعلم أن من أحسن من حرر معنى البدعة وبسط الكلام فيها من المتأخرين هو الإمام الشاطبي - رحمه الله - (توفي سنة790 هـ) في كتابه «الاعتصام» ؛ فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وغالبُ من كتبَ بعدَه في الموضوع مستفيدٌ منه، مع تحريرات وتقييدات مفيدة لكثير من العلماء، قبله وبعده، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، وأسأل الله أن يجعل هذه الأسطر مفيدةً نافعةً مبارَكةً مقبولةً عنده تعالى.

قال الشاطبي - رحمه الله - في الاعتصام في تعريف البدعة -بواسطة اختصار الشيخ السقاف- وما بين [المعكوفين] مني: «وأصل مادة «بَدَعَ» للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117] أي مخترعهما من غير مثال سابق متقدم، وقوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9] أي ما كنت أوَّل من جاءَ بالرسالة من الله إلى العباد بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنَّه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه.

ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت