عنه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى التنطع، والتنطع معناه ما تقدم: التشدد والتعمق المذموم والتكلف وعدم الاكتفاء بما سهله الله ويسره ومنَّ به من اللطف والتيسير، بل أن يطلب الإنسان الأشد والأقسى والأوعر، ظانا في نفسه القدرة على ما لا يستطيعه سائرُ الناس، وغالبا ما تكون وراءه شهوة خفية في طلب التميُّز على الناس والغلبة للأقران .. وكل هذا خلاف سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه وسيرته وخلقه، قال البخاري - رحمه الله - في صحيحه في «كتاب الأنبياء» : «باب صفة النبي -صلى الله عليه وسلم-» ، ثم ساق أحاديث منها حديثُ عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها: «ما خير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله؛ فينتقم لله بها» (1) .
السادس: معرفة أن من أصول ضلال هؤلاء القوم المارقين أنهم لا يفرقون بين درجات المسائل ومراتب الأدلة وإن زعموا خلاف ذلك فالواقع يكذبهم تكذيبا صريحا، وينزّلون الظنيات منزلة القطعيات كما ذكره علماؤنا - رحمهم الله - عن «الخوارج» ، وأنتم ترون كيف يسمّون استدلالاتهم المتهافتة «قواطع» و «الأدلة القاطعة» ونحو ذلك.! وترون كيف يسارع «المخلف» المفتون إلى حكاية الإجماع كذبا وزروا في كثير من المسائل، وترون كيف هم بعيدون جدا عن طريقة أهل العلم من السلف الذين يقولون: نظن كذا ونرى كذا، ونحسب، ونخشى، ويعجبنا كذا ولا يعجبنا كذا، حتى تمثّل بعضُهم (منهم الإمام مالك) بهذه الآية حين سئل عن بعض المسائل: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) } [الجاثية] ، وسيجيبكم هؤلاء المفتونون الزائغون بالقول: إن هذا إنما هو في مسائل الفروع الفقهية وفروع الأحكام الشرعية الاجتهادية، وهذا حق، ولكن من الحق أيضا أن كثيرا من المسائل التي يتبناها هذا «المخلف» وأتباعه الزائغون إنما هي مسائل فقهية فرعية اجتهادية، وعلى رأسها أمُّ مسائلهم (كسابقيهم من جماعات «التكفير والهجرة» و «الخوارج المعاصرين» يبدؤون الانطلاق من هذه المسألة) وهي مسألة «العذر بالجهل» ، فهذه مسألة فقهية ينظر فيها الفقيه، وهم يجعلونها من مسائل «أصول الدين والاعتقاد» ومن قواطع مسائل التوحيد.
وكذا مسألة «مَن لم يكفر الكافر أو شك في كفره» ، أعني تطبيقاتها وفروع تفاصيلها في الواقع، وكذا مسألة «هل الكفر والشرك شيءٌ واحدٌ، أو بينهما فرقٌ وما هو الفرق؟» ، وغيرها من المسائل عامتها مسائل فقهية من مسائل الأحكام الشرعية، علمها مَن علمها وجهلها من جهلها، ويتفاوت
(1) صحيح البخاري (3560) .