خديجة قط، وما رأيتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق (1) خديجة، وربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة»، فيقول: (إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد) متفق عليه (2) ، وفي رواية قالت: «استأذنت هالةُ بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعرف استئذان خديجة؛ فارتاع لذلك، فقال: (اللهم هالة بنت خويلد) فغرت؛ فقلت: «ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراءِ الشدقين هلكتْ في الدهر، قد أبدلك الله خيرا منها» (3) ، وفي رواية: «وكان إذا ذبح الشاة يقول: (أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة) قالت: فأغضبتُه يومًا فقلت: «خديجة عجوز» ، فقال: (إني رُزِقتُ حبَّها) » (4) ، وفي رواية لمسلم قالت: «ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، لكثرة ذكره إياها، وما رأيتها قط» وقالت: «لم يتزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- على خديجة حتى ماتت» (5) ، وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن: «لما قالت عائشة - رضي الله عنها: قد أبدلك الله خيرًا منها؛ قال: (ما أبدلني الله - عز وجل - خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله - عز وجل - ولدها إذ حرمني أولاد النساء) » (6) .
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون) أخرجه الترمذي (7) .
تلك هي العظمة حقا والكمال.! وما ذاك إلا لما هيأها الله له وما كان فيها من صفاتٍ جليلة وفضائل نبيلة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال أهل السير: «إنها كانت تُدعى قبل البعثة بالطاهرة» ، عرفت الخيرَ وأهله بكمال عقلها وقوة استعدادها وجمالِ فضائلها، قال ابن حجر - رحمه الله - في «الإصابة» : «ومن مزايا خديجة أنها ما زالت تعظّم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتصدق حديثه قبل البعثة وبعدها، وقالت له لما أرادت أن يتوجّه في تجارتها: «إنه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك» ، ذكره ابن إسحاق، وذكر
(1) يعني صديقات. [المؤلف]
(2) صحيح البخاري (3818) ، صحيح مسلم (2435) لكن بلفظ: (إني رُزقت حُبَّها) .
(3) صحيح البخاري (3821) ، صحيح مسلم (2437) .
(4) لم أعثر على هذا الحديث بتمامه في أحد كتب السنة، لكن ذكره صاحب: جامع الأصول (6668) .
(5) صحيح مسلم (2435) .
(6) مسند أحمد (24846) وقال الأرنؤوط: حديث صحيح، وهذا سند حسن.
(7) سنن الترمذي (3878) وقال: صحيح.