أيضا أنها قالت لما خطبها: «إني قد رغبت فيك لحسن خلقك، وصدق حديثك» اهـ.
فتزوجتِ النبي -صلى الله عليه وسلم- وعمرها حين ذاك أربعون سنة، وكان سنّه (خمسًا وعشرين سنة، لما أراد الله لها من السعادة وهيأها له من الكرامة.
قال ابن حجر: «ومن طواعيتها له قبل البعثة أنها رأت ميله إلى زيد بن حارثة بعد أن صار في ملكها، فوهبته له (، فكانت هي السبب فيما امتاز به زيدٌ من السبق إلى الإسلام، حتى قيل: إنه أول من أسلم مطلقا» (1) اهـ، وقال ابن إسحاق: «كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدق ما جاء به؛ فخفف الله بذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يسمع شيئًا يكرهه من الرد عليه فيرجع إليها إلا تثبته وتهون عليه أمر الناس» (2) اهـ.
وفي حديث بدء الوحي الطويل الذي في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها: «فرجع بها (ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال:(زملوني زملوني) فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: (يا خديجة، ما لي؟) وأخبرها الخبر، وقال: (قد خشيت على نفسي) فقالت له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتَقْرِي الضيفَ، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل .. » (3) الحديث.
قال ابن القيم في زاد المعاد: «وبادر إلى الاستجابة له (صديقة النساء: خديجة بنت خويلد، وقامت بأعباء الصديقية وقال لها:(لقد خشيت على نفسي) ؛ فقالت له: «أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا» ثم استدلت بما فيه من الصفات الفاضلة والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبدا؛ فعلمت بكمال عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والشيم الشريفة تناسب أشكالها من كرامة الله وتأييده وإحسانه، ولا تناسب الخزي والخذلان، وإنما يناسبه أضدادها؛ فمن ركبه الله على أحسن الصفات، وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليق به كرامته وإتمام نعمته عليه، ومن ركبه على أقبح الصفات وأسوأ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبها، وبهذا العقل والصديقية استحقت أن يرسل إليها ربها بالسلام منه مع رسوليه جبريل ومحمد -صلى الله عليه وسلم-» (4) اهـ.
(1) الإصابة (8/ 102) .
(2) السير والمغازي لابن إسحاق (ص 132) .
(3) صحيح البخاري (4953) ، صحيح مسلم (160) .
(4) زاد المعاد (3/ 17) .