فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 1908

يَهْتَدُونَ (49) ، وذلك بعد ذكر إهلاك الأمم المكذبة في الموضعين.

قال ابن كثيرٍ: «يعني: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين» (1) اهـ، قال الشيخ السعدي: «مر عليَّ منذ زمان طويل كلامٌ لبعض العلماء لا يحضرني الآن اسمه، وهو أنه بعد بعث موسى ونزول التوراة، رفع الله العذاب عن الأمم، أي: عذاب الاستئصال، وشرع للمكذبين المعاندين الجهاد، ولم أدر من أين أخذه؛ فلما تدبرت هذه الآيات، مع الآيات التي في سورة القصص، تبين لي وجهه، أما هذه الآيات، فلأن الله ذكر الأمم المهلكة المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنه أرسل موسى بعدهم، وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس، ولا يرد على هذا إهلاكُ فرعون، فإنه قبل نزول التوراة، وأما الآيات التي في سورة القصص فهي صريحة جدا؛ فإنه لما ذكر هلاك فرعون قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) } فهذا صريح أنه آتاه الكتاب بعد هلاك الأمم الباغية، وأخبر أنه أنزله بصائر للناس وهدى ورحمة، ولعل من هذا، ما ذكر الله في سورة يونس من قولة: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ} أي: من بعد نوح {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ} الآيات، والله أعلم» (2) اهـ.

وقال عند آيات القصص: « {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} وهو التوراة {مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} الذين كان خاتمتهم في الإهلاك العام؛ فرعون وجنوده، وهذا دليل على أنه بعد نزول التوراة، انقطع الهلاك العام، وشرع جهاد الكفار بالسيف» (1) اهـ.

وفي «نظم الدرر» للبقاعي: «ولما كان حكم التوراة لا يستغرق الزمانَ الآتي أدخل الجار فقال: {مِنْ بَعْدِ مَا} إشارة إلى أن إيتاءها إنما هو في مدة من الزمان ثم ينسخها سبحانه بما يشاء من أمره {أَهْلَكْنَا} أي بعظمتنا {الْقُرُونَ الْأُولَى} أي من قوم نوح إلى قوم فرعون، ووقَّتَها بالهلاك إشارةً إلى أنه لا يعم أمةً من الأمم بالهلاك بعد إنزالها تشريفًا لها ولمن أنزلت عليه وأوصلت إليه» (2) اهـ.

وهذا الانتزاع دقيقٌ لطيف، بيد أن الذي شجع عليه وساعدَ أمران:

(1) تفسير ابن كثير (6/ 239) .

(2) تيسير الكريم الرحمن (ص 552) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت