الأول: أنه معروفٌ وثابتٌ تاريخيًا بشهادة القرآن العظيم والسنة النبوية الشريفة أن الجهاد كان مشروعًا في شرائع بعض أنبياء بني إسرائيل من بعدِ موسى؛ ففي القرآن مثلا قصة {الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 246] الآيات، وفي السنة ذكرُ قتالِ يوشع بن نون وداود وسليمان.
والثاني معنويٌّ، وهو: أن الجهادَ لأعداء الله الصادّين عن دعوته المكذبين لرسله؛ هو كالبدَلِ لعذابِ الاستئصال الذي كان يأخذ الله - عز وجل - به الأمم المكذبة قبل ذلك، وهو الذي إليه الإشارة بقوله: {مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} كما فهمه العلماءُ، والله أعلم.
ثم المعروف المشهور تاريخيًا أيضًا أنه لم تعذَّبْ أمةٌ بعدَ موسى عذابَ استئصالٍ وبسَنَةٍ عامّةٍ.! كما قال ابن كثير في تفسيره في سورة ياسين: «وقد ذكر أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - وغير واحد من السلف أن الله تبارك وتعالى بعد إنزاله التوراة، لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم» (3) اهـ، وإن نَظَرَ فيه القاسميّ في محاسن التأويل فقال: «وما ذكره ابن كثير من وقوف عذاب الاستئصال بعد نزول التوراة يحتاج إلى قاطع، وإلا فقد خربت كثير من البلاد الأثيمة بعدها وتدمرت بتسليط الله من شاء عليها» (4) اهـ، ففي كلامه نظرٌ، والذي ذكره السلف وابن كثير أوجَهُ ولسنا نحتاجُ إلى قاطع بل المقام مقامُ غلبة الظنّ، وخراب كثير من البلاد الأثيمة ودمارها بتسليط الله من شاء من خلقه على مَن شاء ليس مما نحن فيه في الغالب.
وبعض خصوم المجاهدين، وأعداءُ الجهاد من منافقي وزنادقة هذه الأمة وأولياؤهم الكفار الأصليون يسمّون الجهاد عنفًا، وينبزون المجاهدين بالعنف والتشدد كما هو معروف مشهور، وهذا من ظلمهم وجهلهم وعنادهم للحق وطغيانهم؛ فإن الجهاد شريعة شرعها الله وعظّم قدرها، فالله يحبها ويأمر بها ويفرح بها وبأهلها ويرضى عنهم ويرفع درجتهم في أعلى الدرجات، والله هو الرب الرحيم الرؤوف البرّ الكريم الحنّان المنان أرحم الراحمين وخير الراحمين، وهو أيضا العزيز الجبار المتكبر القوي المتين والقهار القاهر فوق عباده المنتقم من الظالمين، له الأسماء الحسنى والصفات العلا سبحانه وبحمده لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه - عز وجل -؛ وبالتالي فالجهاد، حيث كان جهادًا
(1) تيسير الكريم الرحمن (ص 616) .
(2) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (14/ 301) .
(3) تفسير القرآن العظيم (6/ 573) .
(4) محاسن التأويل (8/ 181) .