حقًّا، فهو من جملة الرحمة، وهو خير للخلق، وصلاح وإصلاح في الأرض، وليسَ فسادًا.
هذا لا شك فيه ولا ريب، ومن يرتاب في هذا فإن كان من الكفار فلا غرابة فيه، فإن الكافر عن الفهم لدين الله بمعزِلٍ، وإن كان ممن ينتسب إلى الإسلام ففيه نفاق وشكّ، فعليه أن يبادر بالتوبة وتصحيح إيمانه، ومداواة نفسه المريضة بالعلم النافع والهدى والنور الذي بعث الله به محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وليصدق مع الله، وليخلص في طلب الهداية والبحث عن الحق؛ فإن فعل فإن الله يهديه ويوفقه ويشرح صدره؛ فالجهادُ فريضةٌ من فرائض الله تعالى، وفرائض الله تعالى وشرائعه كلها حقٌّ وعدلٌ ورحمةٌ وصلاحٌ وإحسانٌ، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] .
ولا شك أن الجهادَ عنفٌ وشدة وغلظةٌ في محلّه للمستحقين من الكفرة وأمثالهم ممن يُجاهَدون، فهو إذن عنفٌ محمودٌ مأمورٌ به من قبل ربنا وخالقنا - عز وجل - الذي له الحكمة التامة والرحمة التامّة والكمال والجمال والجلال سبحانه، وهو إذنْ مما ذكرنا من وضع الرحمة والرفق واللين في محله، والشدة والغلظة والعنف في محله، وهو مقتضى العدل ومقتضى الحكمة -والحمد لله رب العالمين- وإن شئتَ فقل: هو عنفٌ شرعه الله وأحبّه ورضيه وأمر به، فالعنف والشدّة ليس مذمومًا بإطلاق، في كل حين وفي كل موضع، كما كررنا، بل إنما يذمّ حين يكون في غير محلّه، وحيث يمكن تحصيل المقصود بالرفق واللين.
لكن قد أشرنا فيما مرّ أن لفظ «العنفِ» في عرف اللغة واستعمال الشرع خُصّ بما كان منه مذمومًا وهو الموضوع في غير محلّه أو الزائد على قدر الحاجة والصلاح، فالوصفُ بـ «العنف» يتضمّنُ تلميحًا إلى ذم موصوفه، ولهذا لا يجوز تسمية الجهاد عنفًا إلا على سبيل التبيين والتوضيح للمعاني وأصولها على نحو ما كتبنا في هذه الأسطر مثلا، وأما الذين ينعتون الجهاد الحقَّ المشروعَ بالعنف من أعداء الجهادِ وخصومِه ومن ضُلّال ومنحرفي هذه الأمة والمهزومين ممن يسمّون بالمفكرين والمثقفين أو العلماء .. فهؤلاء في أحسنِ أحوالهم قومٌ لا يعلمون، وفي بعضها هم قومٌ مسرفون، وهم على خطرٍ عظيم.!!
وبالجملة .. فالذين يسمّون الجهاد عنفًا ما أبعدهم عن حقيقة الدين، لكنْ علينا أن نكون حذرين في الحكم على هؤلاء المسمّين للجهاد عنفًا من أهل ملتنا؛ فإن بعضهم قد يتظاهر بذلك أمام الناس من باب السياسة والديبلوماسية، وظروفه تضطره لبعض ذلك، أو بتعبير أدق هو يرى أن ظروفه تضطره إلى بعض ذلك، وبعضهم قد يكون معذورًا فعلًا نتيجةً للخوف الذي يعيشه والاضطهاد في ظل الأنظمة البوليسية التي تحكم بلادنا الإسلامية، ولا نريد أن نظلم أحدًا، فنحن نعرف أعذار الناس في الجملة، وقد نعرف بعض المعذورين على التفصيل ونعرف حالهم .. إنما هنا نحن نتكلم عن الأفكار، وكل امرئ حسيب نفسه، وكل نفس بما كسبت رهينة، والإنسان على نفسه بصيرة، والذي يحاول