فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 1908

خداع الناس قد يخدعهم، ولكنه لا يخدع الله.!

ونكمِلُ الصورةَ: فالجهاد شرع للحاجة الضرورية لحفظ الدين وصلاح الاجتماع البشري وهي سنة التدافع المعبر عنها في القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251] .

وقد يصح أن يقال: إن الجهاد هو مشروع من باب الضرورة، بمعنى أنه لو أسلم الناس فلا حاجة إلى الجهاد، ولو لم يكن هناك من يصد عن الدعوة لما شرع الجهاد .. فنقول: لا بأس، فليكن، لكن لمَّا كانت هذه الضرورة لازمةً دائمةً ولا ينفك عنها الاجتماع الإنساني، كانت فرضية الجهاد بهذه المنزلة في الشريعة: فرضيةً دائمةً مستمرة مرغّبًا في القيام بها أيما ترغيب وممدوحة أيما مدح، فكأنها لم تكن عن ضرورة، وإنما هي تصرّف أصليّ، إذ لا يُتصوّر أن يُسلم الناسُ كلهم ويخضعوا للعلم والهدى والدين، ولا أن تخلو الأرض من أهل الصد عن سبيل الله، ولله الحجة البالغة؛ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) } [البقرة] .

توضيحه: أن الجهاد حقيقته القتال والقتل، وقتل النفوس ليس مقصودًا بالقصد الأول (القصد الأصلي الأساسي) لبعثة الرسل وإنزال الكتب من الله تعالى؛ فإن الله بعث الرسل وأنزل الكتب لهداية الخلق لا لقتلهم؛ نعم هذا صحيح باعتبار القصد الأول، وإنما لما كان في علم اللطيف الخبير أن بعض النفوس لا ينفع معها هذا، ولا ترفع رأسًا بالرسل ولا بالكتب، بل تقف ضدًا لها وحربًا عليها، وأنها لا يمكن صلاحها بالكلمة الهادية وبالدلالةِ لعدم القابلية، وأن في إزالتها صلاحَ النوع البشري وصلاح الأرض، شرع الجهاد (القتال والقتل) وأمر به، وابتلى به خلقه مؤمنهم وكافرهم، وجعله من أعظم دلائل محبته، وفرقانًا بين أوليائه وأعدائه، ومن أعظم ما يجازي عليه الجزاءَ الحسن، لما فيه من المعاني الباهرة التي خلاصتها بذل أغلى ما يملك الإنسان وهو وجودُهُ ومهجتُهُ ودمُه وروحُه في سبيل ربه - عز وجل -، أي من أجل دينه، فقتل تلك النفوس (مستحقي القتل من الكفار) هو بمنزلة قطع العضو المريضِ التالف الذي لا يرجى بُرْؤه من جسم الإنسان، والذي لو تُرِك ولم يقطع لأفسد بقية الجسم وأتى الفسادُ عليه كله.

وكذلك وقوع القتل في المجاهدين المؤمنين هو -إن شئتَ بالنظر إلى الأصل- من نوعِ «فسادٍ شُرعَ لمنعِ وقوعِ فسادٍ أعظمَ منه» ، فهو إذن من باب: «ارتكاب أدنى المفسدتين» التين لا بد من وقوع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت