إلى أمثلةٍ من الواقع نبيّن فيها نماذج من الاستعجال المذموم، ونمحّص وننقد فيها دعاوى الاستعجال في أمثلة أخرى، وعلى الله الاتكال.
ونرجع إلى الحديث الشريف وما فيه من المعاني:
قصةُ الحديث أن الصحابة - رضي الله عنهم - شكوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما كانوا يلاقونه يومئذٍ من الأذى والشدة والتعذيب من كفار قريش، وطلبوا منه (أن يدعوَ اللهَ لهم ويطلب لهم من الله تعالى النصر.
والسؤال: هل في الحديث دلالةٌ على أن تصرُّفَ الصحابة هذا مذمومٌ يُنهَى عنه؟
والجواب -والله الموفق للصواب-: أن هذا يحتاج إلى شيء من التحرير: فالظاهر من قوله لهم (ولكنكم تستعجلون) أنه عدَّ تصرُّفهم هذا من الاستعجال، والاستعجالُ مذمومٌ.
لكن ما هو تصرُّفهم الذي تصرّفوه - رضي الله عنهم -؟ هل هو مجردُ طلب الدعاء منه؟ أو أكثر من ذلك؟ الذي يظهر والله أعلم أن تصرّفهم الذي عدّه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الاستعجال ليسَ هو مجرد أنهم طلبوا الدعاء، بل يُحتَمَلُ أنهم وقعَ منهم نوعُ تضجّرٍ من الحال التي كانوا فيها، وهي حال الشدة التي يلقونها، وأنهم استعجلوا النصر على عدوّهم استعجالًا فطرياَ طبيعيًا.
فأما كون استعجال النصر على العدوّ شيئا جبليًّا طبيعيًا مركبًا في الإنسان، فواضح معروفٌ لا إشكال فيه، وهو بمعنى محبة النصر عليهم عاجلًا والميل القويّ إلى ذلك، وعليه فهو مما لا يُلامُ العبدُ عليه، وحينئذٍ فقوله -صلى الله عليه وسلم- لهم (ولكنكم تستعجلون) إنما هو لبيان الواقع، هذا بخصوص هذا الوجه.
وأما احتمال أنه قد وقع منهم (أي من بعضهم) بعضُ الضجر في بعض المرات من حال الشدة والكرب التي هم فيها - رضي الله عنهم - وأرضاهم؛ فغير مستنكر أيضا أن يقع ذلك من خيار الناس، فنبّههم النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلى اجتناب ذلك وعلاجه، وعلّمهم وعلّم أمته من ورائهم علمًا نافعًا وحكمةً في هذا الموضع كما هي عادته الشريفة ودأبه (، بأبي هو وأمي، وجزاه الله عنا وعن سائر أمته خيرَ ما جزى نبيًّا عن أمته، فكان من الحكمة الإضافية في ذلك: التشريعُ والتعليم للأمة.
يؤيّد ما قلناه خطابهم له بلفظ (ألا) وهي هنا للتحضيض، وهو حثٌّ بنوعِ إزعاج إلى المقصود، وتكاد روايات الحديث تجمع على هذا اللفظ، فهو محفوظ إن شاء الله
ضُمَّ إليه قوله -صلى الله عليه وسلم- شكونا)، وقوله في بعض الروايات: «أتينا النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا، فجلس مغضبًا محمرًا وجهُهُ، فقال: (إن من كان قبلكم ليُسألُ الكلمة فما يعطيها، فيوضع عليه المنشار فيشق باثنين ما يصرفه عن دينه وإن