فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 1908

وبالجملة فذلك منحصر في طريقين: إما طريق النص، أو طريق الاجتهاد؛ فإن وُجِدَ النصُّ فلا اجتهاد حينئذٍ، وإنما هو التسليم والإذعان والمبادرة إلى الفعل متوكلين على الله الحيّ القيوم .. فإن لم نستطعْ ووُجِدَ العجزُ، فحينئذٍ ننظر في المطلوب في تلك الحالة نظرًا جديدًا.

وأما إذا لم يُوجدِ النصُّ فالموضِع موضع اجتهادٍ؛ فلنجتهد على أصول العلم والفقه المضبوطة المعروفة عند أهل العلم، مستعملين تقوى الله تعالى والإخلاص له - عز وجل -، ولنقايس الأمورَ وننظر الأشباه والنظائر، ونستعمل الأدلة المتوافرة على حسب ترتيبها ودرجاتها، ونبحث عما نظنّ أنه الأقرب إلى مراد الله تعالى ومرضاته، مما يحصِّل المصلحةَ الدينية الأخروية أولًا، ثم المصلحة الدنيوية مهما أمكن أيضا.

ولا شك أن المقام الأول (النص) يجبُ ألا يكون فيه اختلاف بين أهل الحق، والمخالفُ فيه ملومٌ مؤاخذٌ، يُنكَرُ عليه ويعنَّفُ بحسبه وبشرطه.

وأما الثاني (الاجتهاد) فهو موضع اختلاف الأفهام وتفاوتِ العقول والأذهان، ومجال جولة الفرسان وتصاول الأقران.! وهو ككل موضع اجتهاد في مسائل الدين والدنيا؛ مبناه على التوفيق أولا، بعد الأخذ بأسبابه والتوكل على الله تعالى وحده، كما قال نبينا - صلى الله عليه وسلم: (احرصْ على ما ينفعُك واستعن بالله ولا تعجز) (1) ، وحينئذٍ إذا اختلف المختلفون: فواجبٌ عليهم أن يتأدبوا بآداب الاختلاف المعروفة، وأن يتحلّوا بفقه الخلاف المبيّنة في مواضعها من كتبِ أهل العلم.

ومن زاوية أخرى، فعندما قلنا في تعريف الاستعجال إنه: تطلّب الشيء قبل أوانه، ومعناه محاولة تحصيل الشيء قبل أن يحلَّ وقته، وإن ذلك يتضمّنُ محاولة تحصيله قبل اكتمال أسبابه التي جعلها الله تعالى أسبابًا موصلةً له؛ فإننا نلمِحُ إلى أن كون هذه الأسباب هي بالفعل أسبابٌ موصلة إلى ذلك الشيء المقصود يُعرَف أيضًا إما بدلالة الشرع -بأن يدلّ الشرعُ على أن كذا هو سببٌ لكذا- أو بدلالة الحسّ والواقع والتجربة -بأن يدل الحسّ والتجربة بأن كذا هو سببٌ لكذا-، وفي كلا طريقي الاستدلال مزلّات وأخطاء محتملة في النظر؛ فعلى المستدلّ التيقظُ وتكميل التحرّز والاحتياط في النظر، وتكميل آلات وأسباب النجاح وأن يستعين بالله تعالى ويقومَ مقامَ العبودية حتى يوفقه الله .. والله وليّ التوفيق.

فهذا جوابٌ إجماليٌّ ينبغي أن يكون لمريد الحق والخير قاعدةً وأصلًا لا يحيدُ عنه، وسندرُجُ بعون الله

(1) صحيح مسلم (2669) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت