فهرس الكتاب

الصفحة 726 من 1908

في الأرض فيجعل فيها، فيُجاءُ بالمنشار فيُوضَعُ على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون) (1) اهـ.

وهذا الحديث النبويّ الشريف قد كثر استدلال الدعاة والطوائف المختلفة في ساحة العمل الإسلامي به، كلٌ يستدل به على صحة طريقه واختياره من بين أفكار التغيير والإصلاح، والكلّ يذمّ الاستعجال ويحذّر منه وينهى عنه، وكثيرٌ منهم يصف مخالفيه بأنهم يستعجلون!!

والحاصلُ أن الجميعَ متفقون على ذم الاستعجال، وإنما الخلاف في الصور الواقعة في عمل الناس هل هي من الاستعجال أو لا؟.

ونحن نرجو التوفيق من الله تعالى في توضيح معنى هذا الحديث الشريف على الوجه الصحيح.

فاعلم يا أخي وفقنا الله وإياك إلى كل خيرٍ ورزقنا وإياك الهدى والسداد أن الاتفاق واقعٌ على ذمّ الاستعجال كما سبق بيانه بحمد الله، فهذا لا اختلاف فيه.

لكن ما معنى الاستعجال المذموم وما حدوده؟ وهل هذا التصرّفُ المعيَّن أو ذاك هو من الاستعجال المذموم؟ أو لا؟ هذا هو محلّ البحث والتحقيق، وهو الجدير بالتحرير والتدقيق، وهو المجال الذي يختلف فيه المختلفون، ويتنازع فيه الناس، والموفَّق من وفّقه الله تعالى {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) } [هود] ، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [الأنفال: 10] .

فلنستعن بالله تعالى ولنجبْ على هذا السؤال على وجه الإجمال أولًا، ثم نعرج على بعض التفاصيل ونوضّح بعض المعاني المستفادة من هذا الحديث الشريف، فنقول:

تقدّم توضيح معنى العجلة والاستعجال المذموم، وأنه: تطلّب الشيء قبل أوانه، ومعناه محاولة تحصيل الشيء قبل أن يحلّ وقته.! وهذا يتضمّنُ محاولة تحصيله قبل اكتمال أسبابه التي جعلها الله تعالى أسبابًا موصلةً له؛ لكن ما هو وقته؟ وكيف نعرفه؟ وما هي طرقُ معرفة وقتِ الشيء الذي نريد تحصيله، حتى لا نكون مستعجلين مذمومين بتطلّبه قبل وقته وإبّانه؟

والجواب: أن الوقتَ المناسبَ للشيء هو ما دلّ عليه الدليل الشرعيُّ من الكتاب والسنة وما في معناهما وما دلّا على اعتباره دليلا عند عدم النصّ أو الدلالة اللفظية منهما.

(1) صحيح البخاري (6943) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت