احتمال ضعيف قليل الوجود، جوّز الخروج.
وصاحب هذا القول الأخير يقول: لا نسلِّمُ أنّ الكفر يقوى ويزداد فإن هذا شيء متوهّم، ولا يكاد يوجد في الواقع، بل هو إما أن يزول ولو طال عمر الثورة، وإما أن يضعف ويقل حرده وشره .. فإن زال وأقمنا حكم الله مكانه؛ فذاك غاية المطلوب ولله الحمد.
وإن لم يزُل فإنه يضعف ويقل شره، ويحصل في غضون ذلك مصالح عامة كثيرة دينية من قبيل تجريءِ قلوب المسلمين وتشجيعهم على منابذة هذا الكافر والسعي في التخلص منه، وإحياء مواتهم: موت الإرادة والعزائم، والموت الاجتماعي والنفسي، ونفض غبار الذل عنهم واستثارتهم لمرحلة قادمة وجولة آتية يكونون فيها إن شاء الله أقوى وأقدر، وينشأ فيهم جيل يعشق الحرية ويسعى في تحصيلها، ويقتدي بالأبطال الذين تقدموهم وضربوا لهم الأمثال:
وفي القتلى لأقوامٍ حياةٌ ... وفي الأسرى فدىً لهُمُ وعتقُ (1)
فإن الأمة إن لم يوجد فيها ذلك ماتت لا محالة، وبالجملة: فإن خروجنا وإن لم يكن يحقق الهدف الكامل المطلوب لكنه خطوة في الطريق الصحيح إن شاء الله، ونحن يكفينا ذلك، مع سلامة أدياننا -نحن في أنفسنا- من فتنة تسلط الكفار والنظام الكافر علينا، ومع ما نرجوه -وهو المطلوب بالقصد الأول- من فضل الشهادة والقيام بنصرة الدين بالمهجة والدم ونيل رضوان الله تعالى وأعلى الدرجات في دار كرامته.
وهذا القول الأخير هو الأرجح عندي، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وأستغفر الله تعالى من كل زلل.
وهذا على كل حال موضع ينبغي الاعتناء بتحريره من قبل أهل العلم والرأي، نسأل الله أن يلهمنا وسائر أحبابنا الهدى والسداد ... آمين.
[الحلقة الرابعة - مجلة طلائع خراسان، العدد الرابع عشر، جمادى الآخر 1430]
• توضيح معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ولكنكم تستعجلون) :
في صحيح البخاري: عن خبَّاب بن الأرتِّ - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسِّد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له
(1) قاله: أحمد شوقي، قصيدة «نكبة دمشق» انظر: الشوقيات (2/ 456) ، وصوابه: «ففي القتلى لأجيال حياة .. وفي الأسرى فدىً .. » .