بيانه: أنّ القائمين بالثورة والخارجين على الدولة حيث وجدت الأسباب الشرعية للخروج والثورة، إن كان لهم مجالٌ للاختيار وسعةٌ في التأخير شرعًا؛ فعليهم أن يختاروا الوقت المناسب الذي تنضج فيه سائر أسباب النجاح وتكتمل وتتمّ، ويسعون في ذلك في تكميل الأسباب، وهو المعبَّر عنه في الفقه بوجوب الإعداد عند سقوط الجهاد للعجز.
أما إذا اضطروا وضاق عليهم الاختيار ولم يجدوا بُدًا من الخروج؛ لكون العدوّ فرض عليهم ذلك بحيث إن لم يخرجوا ويتحرّكوا الآن وقع عليهم ضرر كبير وفسادٌ عريض .. في حين أنهم إن خرجوا كان الضرر الواقع أقلّ بحسب توقّعهم الناتج عن دراسة ونظر جيد منصف في الأمور فإنا لا نمنعهم من الخروج -ما دام أصل الجواز والإذن موجودا شرعا-، بل نقول: توكلوا على الله وانطلقوا، لكن قد لا تصيبون كل الهدف ولا تحققون كل المراد، لأن الإبّان لم يحلّ، فوطّنوا أنفسكم على الاكتفاء بتحصيل ما يمكن من الأهداف الجزئية حيث لم يمكن الكمال، وأجركم على الله، فأنتم تشتغلون هنا تحت مبدأ «ارتكاب أخف الضررين» .
وبالجملة .. فإن الخروج والثورة حيث قلنا بجوازها شرعا -لوجود أسبابها الشرعية كوجود الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان من السلطان- فهي جائزة لا نمنعها بحال، ولو خرج الرجل وحده، وقاتل حتى قُتِل .. ! ما لم نعلم أو نظن ظنا غالبًا أنّ خروجه يؤدي إلى منكر -فساد- أكبر مما هو موجود أصلا؛ لأن قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شريعتنا قاضية بذلك.
ولكن لأن المنكر -الفساد- الموجود أصلا هو الكفر المتمكّن، ثم سائر ما ينشأ عن سيطرة الكفر وتمكّنه في الأرض من فساد عريض؛ فإنه لا يكاد يُتصوَّر فساد أكبر منه، إلا في حالة واحدة قليلة الوجود وهي: أن يزداد الكفر قوة وتمكّنًا من البلاد وتحكما في العباد.
هذا هو الأساس، مع ما يضاف إليه من مفسدة مقتل هذا الخارج -أو الخارجين- وفنائهم، وتعطّل مصالح كانت متاحة أو فشل مشاريع جهادية ودعوية كانت ناشبةً وفي أطوار معينة، ومفاسد سفك الكثير من الدماء بغير حق من قبل الكافر، بسبب استثارتنا له .. وما شابه ذلك .. فهذا موضع اجتهاد.
فمن ظن أنّ الكفر لن يزول بخروجه بل سيقوى ويزيد تمكّنه، مع بقية المفاسد المشار إليها؛ فكفّ يده وترك الخروج، إلى أن يتهيّأ حالٌ يُظَنّ فيه تحقق النجاح، فهذا محتمل.
وحينئذ يبقى عليه واجب الإعداد بكل معانيه.
ومن قال: هذه مفاسد ظنية، وهذا الاحتمال -احتمال وقوع مفسدة أكبر على النحو الذي وضحناه-