فهرس الكتاب

الصفحة 731 من 1908

ويجعلون ذلك من الاستعجال المذموم، ويسوقون لهم حديث النبيّ -صلى الله عليه وسلم- المذكور هنا وقوله في آخره: (ولكنكم تستعجلون) !!

وعند التأمل .. يظهر للباحث المنصف أن المجاهدين هم أسعدُ الناس بهذا الحديث، ولله الحمد والمنة، وأنه وإن توجّه إليهم أو إلى طوائفَ منهم اللومُ على الاستعجال في بعض الأوقات أو الأحوال، كما قد يقع الخطأ من غيرهم من سائر الناس؛ فإنهم في الجملة من أكثر المسلمين توفيقًا وتسديدًا، ومن أسعدهم بهذا الحديث وغيره.

بيان ذلك على وجه الإجمال: أن المجاهدين قائمون بفريضة الله تعالى في قتال هؤلاء الحكام المرتدين والسعي في إزالتهم وإقامة حكم الله تعالى مكان كياناتهم الجاهلية الكافرة، وأدلة الكتاب والسنة معهم

في ذلك بشكل لا أوضح ولا أجلى منه، والحمد لله.

ومَن يستدل بهذا الحديث (ولكنكم تستعجلون) على المجاهدين ويخطئهم زاعمًا أن خروجهم على أئمة الردة استعجالٌ فهو مخطئ محجوجٌ، وذلك من وجوه:

أحدها: أن كتاب الله وأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلها حقّ ووحيٌ ولا يعارض بعضها بعضًا، ونحن لا نضرب بعضها ببعض، بل نجمع بينها ونعمل بها كلها ونفهمها على الوجه الذي علمنا اللهُ - عز وجل - من رد المتشابه إلى المحكم، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على وجوب منابذة وقتال هذه الحكومات المرتدة، فإذا ثبتت الأدلة على ذلك -وهي ثابتة وفي غاية الوضوح- فلا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعارضها بنصوص مجملة مثل هذا الحديث الذي له معنى واضحٌ، ولكنه مجملٌ، وليس هو واردًا في خصوص هذه المسألة.!

وقد بيّنا أن الحديثَ دالّ على ذمّ الاستعجال، وعمومُ هذا المعنى مسلّمٌ (أنّ الاستعجالَ مذمومٌ) ، إنما الإجمالُ في: ما هي الصورة التي هي استعجالٌ؟! مع ضميمةِ أننا لا بد أن نعتقد أن ما علمنا أنه حكمٌ شرعيٌّ ثابتٌ فلا يجوز أن يوصَف بأنه استعجالٌ.

الوجه الثاني: أن معنى الحديث: أنكم تستعجلون؛ فتريدون تحصيل النصر واكتمال الأمر وزوال كل شدة وكربٍ بغير الطريق المعتادة شرعًا وقدرًا، فنبههم (إلى سنة الله تعالى في خلقه من ضرورة حصول الابتلاء لأهل الحق، وضرورة الصبر على الأذى، والثبات حتى يأذن الله ويأمر بأمره - عز وجل -، وقد جاء أمرُ الله فعلًا فأمرنا - عز وجل - بأن نخرج على الحاكم الكافر وننابذه ونقاتله حتى نخلعه ونزيله ونقيم حكم الله مكانه، وأما حين قال النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك الكلمة لخباب بن الأرت والصحابة فإن أمر الله بالجهاد لم يكن قد جاء بعد، وهذا واضحٌ جدًا لمن تأمّله.! وقد بيّنا معنى الاستعجال المتوجه إليه الذم في قصة الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت