فهرس الكتاب

الصفحة 732 من 1908

الوجه الثالث: ولو قال قائل: حالنا اليوم أشبه بحالهم ساعتئذٍ حينَ أمرهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالصبر وحذرهم من الاستعجال؛ فالجواب عدمُ التسليم بذلك، بل الفارق كائنٌ وكبيرٌ، فنحن قادرون اليوم على الجهاد، والجهاد قد شرع ووجب حيث كنا قادرين، ولسنا نخافُ اليومَ على الدعوة أن تستأصل حتى لو قُتِل منا الكثير، ونحن حين ظننا أن لنا قدرةً وطاقة وقررنا الانطلاق في العمل العسكري (الجهاد) فمعنى ذلك أننا قررنا أنه لا مفسدة في ذلك تربو على مفسدة وجود واستمرار الحكومة الكافرة المرتدة واستمرار السكوت عليها، فانتهى الإشكال.!

الوجه الرابع: أنه إذا تقررت الأدلة على وجوب الجهاد -في مثل أحوالنا اليوم- واضحةً بيّنة كثيرة متضافرة؛ فلا ينبغي للمسلم أن يعارضها بمثل هذه الأقيسة التي في ضمنها تعطيلُ أدلة الشريعة وتعطيل حكم جليل من أحكامها، بل ذلك هو فعل المفتونين وصفة الزائغين الذين ذكر اللهُ - عز وجل -، كما قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] ، على أن هذه الأقيسة محتمِلةٌ للمقابلة بمثلها بل بما هو أقوى وأولى منها، وهو:

الوجه الخامس: أنه لو عكس خصمكم الدليل فقلبه عليكم، فقال: أنتم المستعجلون المذمومون في فعلكم، لأنكم تركتم طريق الجهاد والقوة وذات الشوكة التي أمر الله بها، وقامت عليها البراهين من كتابه - عز وجل - وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وإجماع أهل العلم بهما، وهي طريقٌ طويلة وشاقة صعبة محتوية على عظيم الابتلاءات والتمحيص بالجراح والقراح والحرمان والبُعد عن الأوطان ومفارقة الخلان .. واخترتم طرقًا أخرى استسهلتموها (رأيتموها وظننتموها سهلة) استعجالا للتغيير (النصر والظفر في ظنكم) وطلبًا للراحة والسلامة وإشفاقًا على العيش الهنيّ أن ينخرم قانونه ويذويَ كانونه لم يكن مُبعِدًا، بل هو مستقربٌ جدًا، والله المستعان.!!

وتوضيحُهُ: أن الاستعجال الذي لاحظه الرسولُ (في حال خباب وصحبه - رضي الله عنهم - ساعتها، كان وجهه كذا وكذا، والاستعجال الآن في حالنا هذه هو كذا وكذا؛ فتأمل.!

نعم قد يُتصَوَّرُ أن يكون خروج بعض الخارجين على أئمة الكفر والردة استعجالًا في بعض الصورِ، وذلك إذا كان قبل استكمال الاستعداد والتهيؤ والأخذ بالأسباب الممكنة المتاحة، يعني أنه كان بإمكانه استكمالُ العدة والأخذُ ببعض الأسباب فترك ذلك وخرج بدونه، أو كان بإمكانه انتظارُ فرصته الجيّدة القريبة السانحة التي لاحتْ بوادرها وظهرت علاماتها وإرهاصاتها مثلا، فترك ذلك واستعجل الخروج ضجرًا .. !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت