فهرس الكتاب

الصفحة 1059 من 1908

وذلك فضل الله تعالى، وهذا إن شاء الله من التحدث بنعمة الله اقتضاه مقامُ التعريف والتوطئة لبعض الفكرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فكان فمما نراه فقهًا صحيحًا هدانا الله إليه من فضلِهِ بأسباب تحصيل العلم النافع والتجارب أنَّ حالنا نحن اليوم باعتبارنا طائفةً من الأمة متصدية للجهاد في سبيل الله (جهاد أعداء الله الخارجيين من الكفار الأصليين، وأذنابهم من الأعداء المرتدين من الحكومات المستولية على مقاليد الأمور في سائر بلاد المسلمين) وما يتضمنه ذلك من تصرِّفات دعوية وسياسية وقيادية، وباعتبار حالِ أمتنا من الضعفِ والخور والتعاجز وتمكن الأعداء منها الداخليين والخارجيين، وتسليط الوهن عليهم بقدر الله كما أخبر الصادقُ المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الفساد المتراكم فيها في بابي العلم والعمل، مما لا يخفى على عاقلٍ، حتى ضَرَبَ الفسادُ والضلال والانحراف أطنابه في الطبقات المنتسبة للعلم والدين، حتى لا يُبعِد الإنسانُ إذا قال: إن الفساد والضلال والانحراف في هذه الطبقة أشد وأعمق وأخطر مما هو في سواها من سائر طبقات الأمة العوامّ، وباعتبار قِلّتنا نحن أهلَ الدعوة والجهاد وضعفنا، وكثرة أعدائنا، وكثرة ما نواجه من المشكلات غير المنحصرة والعميقة والشديدةِ التعقيدِ والرسوخ .. فإننا باعتبار هذه الأشياء مجتمعةً رأينا بدلائل الشرع والقدر أنه يُشرَعُ لنا بل ربما يجب علينا أن نتلطّف ونأخذ بأسباب الرفق وقوة التحيّل فيه لكي نحق ما استطعنا من الحق، ونبطل ما استطعنا من الباطل، ونتدرّج في ذلك من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، فما أدركنا في عُمُرنا القصير فذلك فضل الله، وما لا فقد أعذرنا إلى الله ومهّدنا لمن بعدنا طريقًا إلى تحقيق المرام بعون الله، فإن دلائل الشرع مع دلائل العقل والحس والتجربة قاطعة بأنّ كل ذلك الفساد المشار إليه لا يمكن القضاءُ عليه جملةً واحدةً ولا يُظَنُّ أن الله يكلفنا بذلك، فإنه -لو فرض- تكليفٌ بما لا يطاق، مع أنه خالٍ من الحكمة إذ محاولة ذلك لا تحقق المقصود وهو الإصلاح، فلا تأمُرُ الشريعة بمثله، والحمد لله، والله عز وجل أعلم وأحكم.

واعتبرنا في ذلك بطريقة الشريعة المطهّرة، وبسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبسيَرِ المصلحين المشهودِ لهم بالخيرية في هذه الأمة المجددين للأمة دينها؛ فإن طريقة التدرّج والسكوت والإغضاء والتغافل لا تخطئها عينُ الناظر في سيرهم والمتفرّس في مسالكهم، وسيرةُ سيدنا عمرَ بن عبد العزيز - رضي الله عنه - معروفة مشهورة، ومن آخرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - فقد ذكروا في ترجمته أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت