وأنواعهم وأقسامهم ..
وصفاتهم التي يشترك فيها أغلبهم:
سلامة الصدر، التواضع والخدمة لإخوانهم والذلة والمسكنة، تصميم وإصرار على الوصول إلى الغاية العليا، تجافٍ عن سفاسف دار الغرور.
إنهم الشهداء، أمرهم عجب، والكتابة عنهم شيء صعب، وقد يظن البعيد أننا نبالغ، والحق أنا لما نوفي حقهم، ولئن سطرنا بالمداد كلمة في أثرهم، فلقد سطروا أبلغ وأزكى منها بدمائهم:
وفي القتلى لأقوامٍ حياةٌ ... وفي الأسرى فدىً لهمُ وعتقُ (1)
رحم الله عاصمًا، ومطيعَ اللهِ وإخوانهم جميعا، ورفع الله منزلتهم، وأعلى الله درجتهم في الفردوس الأعلى ..
اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم .. اللهم بارك على أوصالهم، وارزق أهلهم وإخوانهم وأحبابهم منهم العوض واخلفهم فيهم يا رب العالمين .. اللهم إذ قد أدبرت أيامنا من «عاصم» بسلامٍ منك؛ فأمتعنا من خلفه بإقبال برحمتك ولطفك ..
وإذ قد أخذتَ برحمتك مطيعا، فاجعل من خلفه معتصمًا بحبلك يا كريم .. آمين.
حق لعاصمٍ وإخوانه أن يقال فيهم الشعر وأن تسطّر سيرهم الطيبة، لتكون تذكارًا لمن عرفهم ومن يسمع عنهم، وجزى الله أخانا الشيخ أبا يحيى حسن قايد خيرا على ما جادت به قريحته في ذكرهم والتنويه بهم، وبارك الله فيه وحفظه ورعاه (2) ..
(1) قاله: أحمد شوقي، قصيدة «نكبة دمشق» انظر: الشوقيات (2/ 456) ، وصوابه: «ففي القتلى لأجيال حياة .. وفي الأسرى فدىً .. » .
(2) بما أن الشيخ قد قدم هذه المقدمة لقصيدة «رثاء وحداء .. في الفتى عاصم» التي نظمها بحسن يراعه؛ الشيخ المجاهد: «أبو يحيى الليبي» - رحمه الله -، فقد أحببنا أن نزين هذا «المجموع» بهذه القصيدة التي قد ضاعت من الشبكة، حفظًا لها من الضياع والاندثار:
قف بالمنازل واقصد نحو ناديها ... واستمطر الدمع غيثًا من مآقيها ...
وقلب الفكر في ذكرى حوادثها ... واذهب وأُب بالمراثي في نواحيها ...
وسل ديارًا عفت من بعد بهجتها ... ما بال أثواب أحزان تغطيها ...
جربوع أُنسٍ عهدناها مفتَّحة ... أبوابُها للمعالي يُرتقى فيها ...
واليوم صارت-وقد أوهى قواعدَها ... فجائعُ الدهر - قفرًا بلقعًا تِيها ...
أين الوضاءة أم أين الصباحة بل ... أين المسراتُ تلقى من يلاقيها ...
قل للقوافي أما آن الآوان لأن ... تصوغَ شعرًا رصينًا من معانيها ...
ناديتها صارخًا والبثُّ يدفعني ... فكم سأبقى بآلامي أُناديها ...
فاضرب عن الشعر صفحًا وافتتح صحفًا ... فيها المكارمُ ألوانٌ توشيها ...
واقرأ سطورًا من الأخلاق سامية ... حروفها الجود والإحسانُ تاليها ...
مدادها الصبر يُجريه اليراع بها ... يراعُ صدق وإيمان فيُبديها ...
وقف مليًا على معنى الوداد ترى ... عجائبًا من خبايا الحُب يخفيها ...
وإن ترُم أحرفًا خُطَّ الحياء بها ... سبَتْكَ أنوارُها حسنًا يُحليها ...
مكارمٌ سامياتٌ كيف يدركها ... في شأوها غيرُ أهليها ويحويها ...
قد عشتُ حينًا أحييها فتسمعُني ... وها أنا اليوم أبكيها وأَرثيها ...
يا «عاصم» كنت فينا البدرَ نرقبُه ... كلا بل الشمس كلا بل تُساميها ...
سمتٌ ودينٌ وبذلٌ لا تكِلُّ به ... وبسمة مثلُ ضَوء الصبح تُهديها ...
نديُّ قلب سخيُّ النفس قد جُبلت ... فيك الفضائل لا زورًا وتمويها ...
أبيتَ إلا حياة يُستطاب بها ... عيشٌ عزيز بلا ذل يغشِّيها ...
فلم تزل في بروج المجد مرتقيًا ... بالعزم تسمو وبالإصرار تُدنيها ...
في همةٍ كلما حلت بمنزلة ... قالت: سواها وطارت في معاليها ...
كم جرعتك الليالي كأس محنتها ... فلم تَهبْها ولا أضناك داعيها ...
ريح المنايا إذا هبت بساحتها ... قلتَ المنايا بنفسي سوف أشريها ...
لما رأيتَ المُنى يسري بأمتنا ... آليتَ إلا ببذل الروح تُحييها ...
فغبتَ عنا وأعقبت الفؤاد لظىً ... إذا خبتْ جاءت الذكرى فتذكيها ...
آهٍ أخي من صروف الدهر ما فتئت ... تفت فينا وما زلنا نعانيها ...
لكنما الصبر زاد كلما هجمت ... جند البلايا وهدَّتنا دواهيها ...
فمن فؤادي إلى قبر ثويت به ... أهدي تحايا صفاءُ الود يسقيها
هذا آخر هذه القصيدة المسبوكة الماتعة التي تتألف من 28 بيتًا، نسأل الله أن يجزي عليها ناظمها خيرا ويتقبله في عليين، والله أعلم.