شريعة الله المطهرة.
وأعرف أنكم تدركون جيدًا وتقرّون مع جميع إخوانكم المسلمين في كل مكان أن تأليف قلوب الخلق عليكم واكتسابهم في صفّكم هو من أهم دعائم قوتكم وأسباب نصركم بإذن الله تعالى، وأنه واجبٌ في حدّ ذاته لطالما أوصانا به رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: (بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا) (1) تيسيرا للناس طريق الهداية والاستقامة، وجرًّا لهم إلى بحبوحة هذا الدين الذي أكرمنا الله به ..
وأعرف أنكم من أعرفِ الناس بمعنى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يقال إن محمدًا يقتل أصحابه) (2) ..
وتعرفون أن كون الشخص كافرًا مباحَ الدمِ، لا يعني وجوب قتله بالفعل، بل قتله أمرٌ متروك لنا إن رأيناه صلاحًا فعلنا وإن رأينا الترك فعلنا ..
غير أني أحب أن أنبهكم إلى أن تدرسوا مسألة المرتد هذه، وتباحثوا فيها من أمكنكم من أهل العلم؛ فإن فيها رأيا آخر يقول: إن المرتد في مثل حالتنا هذه هو كالكافر الأصليّ، لأن له دولةً يلجأ إليها ويأرز، وأن المقصود بحديث النبيّ (:(من بدّل دينه فاقتلوه) (3) المرتدّ في حوزتنا وتحت قدرتنا -المقدور عليه بكل معناه-، ولأجل ذلك أجاز بعض شيوخنا مهادنة المرتدين -دول الردّة- وموادعتهم، إذا احتاج المسلمون إلى مهادنتهم ورأوها مصلحة لهم راجحة، وأجازوا المنّ على الكافر المرتد الأسير أو مفاداته بمالٍ أو أسرى المسلمين، إذا رأى المسلمون في ذلك مصلحة راجحة، تشبيها له في هذه الحال بالكافر الأصليّ وتنزيلا له منزلته ..
وممن عرف عنه هذا الرأي الشيخ «عليّ بلحاج» فرج الله كربه ونصره الله وأعزه.
وأعرفُ غيره من أهل العلم من يرى جواز مهادنتهم، وأن قول شيخ الإسلام ونقله الإجماع على أن المرتدين لا يهادنون ولا تعقد لهم ذمةٌ .. الخ (4) ؛ أنه محمول على مثل حال المرتدين مع دولة الصدّيق - رضي الله عنه -، أي حال القدرة على قتالهم وإخضاعهم؛ فلا يجوز للمسلمين ولإمام المسلمين أن يقبل منهم في هذه الحال إلا الرجوع في الإسلام أو السيف.
لكن في حالنا اليوم؛ المرتدون لهم دولٌ وقوة، ونحن في ضعف وقلة، والناس في حيص بيص من
(1) صحيح البخاري (69) ، وأيضا: صحيح البخاري (6125) ، صحيح مسلم (1734) لكن بلفظ: ( .. وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا) .
(2) صحيح البخاري (4905) ، صحيح مسلم (2584) .
(3) صحيح البخاري (3017، 6922) .
(4) قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (28/ 534) : «استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة؛ منها أن المرتد يقتل بكل حال ولا يضرب عليه جزية ولا تعقد له ذمة» .