وعليه .. فليستْ تلك الحالة هي الحالة المثالية عندنا نحن المسلمين وفي مفهومنا، مع أننا نحب العافية، وأمرنا ربنا - عز وجل - بسؤال العافية، لكن العافية معنىً أعمّ من عدم الامتحان للأمة، فقد اقتضت حكمة الله تعالى وجرت سنته في خلقه بأن لا يترك الناس بدون امتحان وتمييز، وهو معنى آية آل عمران (1) ، وَقال تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) } [العنكبوت] .
والحاصل أن تلك ليست هي الحالة المرضية بالضرورة، مع أنها حالة عافية؛ وإن شئتَ فقل: تجاذبها أمران متغايران: الأول محبوبٌ وهو العافية والراحة وما في ضمن ذلك من انعدام المشاكل أو قلتها وقلة العداواة والخصومة، والثاني غير محبوبٍ لله تعالى ولا لعباده المؤمنين وهو اختلاط الصفوف وانطواؤها على الدخن.!
أضف إلى ذلك ما في ضمن المحنة والامتحان والابتلاء من الحكمة البالغة والمقاصد المحبوبة لله تعالى من تميّز المؤمنين وتمحيصهم ورفع شأنهم وتبويئهم الدرجات العلا، وغير ذلك .. فجرت سنته - عز وجل - بأن لا تبقى هذه الحالة مستمرة، بل لا بد من أن تأتي الامتحانات والمحكات والفتن والابتلاءات فتمحّص الصفوف وتميّز بين الناس؛ وتَميزَ الخبيث من الطيب .. هذا لا بد من فهمه وتدبّره ..
فإذا اتضح هذا، فأقول: إن الاختلاف والتفرّق والتمايز الذي حصل بين الناس وطوائفهم، ولا سيما في طوائف العلماء والدعاة والمجاهدين، وبين الكثير من العلماء وبين المجاهدين، هو تمايزٌ جارٍ على هذه السُّنَّة في الأعم الأغلب، فهو إذن محمودٌ من هذا الوجه، مع أنه غيرُ محمودٍ بل مؤسف ومحزن من جهة كونه مظهرًا لفساد البعض وضلالهم من هذه الطائفة أو تلك.!
لكننا بالجملة نوقن أن ذلك من الابتلاء والامتحان، فنعتصم بالله - عز وجل - وما آتانا من العلم والفقه والنور والهدى لكي نبصر الطريق في هذه الفتنة، هذا هو الواجب.
وبناء عليه نقول توضيحًا:
إن الخلاف والانفصام بين طائفتي العلماء والمجاهدين واقعٌ على نحوين:
النحو الأول: بحقٍ؛ فهو تفرّق على الدين، الناجح فيه ناجح مفلح، والخاسر فيه خاسر.
والنحو الثاني: بباطل، وهو التفرق لا على الدين الحق، بل على حظوظ النفوس وعلى وجه الخصومات البشرية المذمومة التي سببها هوىً أو طلب علوّ ونحو ذلك، وهذه إثمها على أصحابها
(1) يعني قوله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} .