فهؤلاء ممتنعون عن قدرةٍ وشوكةٍ، محاربون، فردتهم ردّة مغلظة، لا ردّة مجردة، وهم من أجل ذلك معرضون أشد ما يُتصوّر من معنى الإعراض، فكيف يلزم إقامة حجة عليهم، هذا لا تأمر به الشريعة، ولا تدل عليه بأي نوع من أنواع الدلالة، بل دلّت على عكسه، وهذا لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم، والكلام فيه مبسوط في أبواب الردة من كتب الفقه الكبيرة، وفي الكتب التي تناولت هذه الأحكام بوجه من الوجوه ككتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (1) لابن تيمية - رحمه الله -، وغيره.
الوجه الثاني: على التنزل، وهو أنه على فرض لزوم إقامة الحجة عليهم فإننا نقول إن الحجة عليهم قائمة بلا شك، فإن الله تعالى أقام جماعات من علماء ودعاة ورجالات أهل الإسلام لا يزالون يدعون هؤلاء الطواغيت وينكرون عليهم ويبينون باطلهم وما هم متلبّسون به من الكفر الشنيع، وهذه الجماعات الإسلامية الدعوية والجهادية بأنواعها وأشكالها، وهذه السجون وهذه المناظرات وهذه الكتب والمباحث والمناقشات والحوارات وغيرها وغيرها .. إن لم تكن فيها إقامة حجة على أكفر وأعتى أحدٍ يمكن تصوره، فما بقي في الوجود إمكانٌ لإقامة حجة على أحدٍ.!!
وعليه .. فمن يقول إن هؤلاء الطواغيت لم تقم عليهم الحجة وإنه لا يجوز تكفيرهم حتى تقام عليهم الحجة، فهذا ضالٌ مضل ملبّس على الناس فاحذروه واجتنبوه.!
وأما ضوابط وأحكام التكفير وذكر شروطه وموانعه .. فهذه يا أخي الكريم لا يسعها هذا المقام، وهي مبسوطة بحمد الله في الكثير من الكتب المعاصرة، لأن المعاصرين ابتلوا بها وحرروها وفصلوها أكثر من القدماء، (لكن الأحكام نفسها لا تخرج عما هو معروف عند المتقدمين، بل كل من يكتب جديدا فهو عالة عليهم إنما المقصود التحرير والتفصيل في التأليف والتفهيم) فهناك مجموعة من الكتب الطيبة حررت هذه المسائل، فعليك بها (2) .
والله الموفق، لا إله غيره ولا رب سواه.
فائدة في قولنا «ممتنع عن قدرة» : معنى قولنا ممتنعون عن قدرةٍ، أو امتنعوا عن قدرة، ونحوها أن الشخص أو الأشخاص امتنعوا عن بعض الشرائع عن قوةٍ وشوكةٍ، بها انتصبوا للحرب والمقاتلة والامتناع عن أخذنا لهم بالأحكام .. فجملة «عن قدرةٍ» موضعها نصبٌ على الحال، والتقدير: امتنعوا قادرين، أي امتنعوا والحال أن لهم قوة وقدرة وشوكة.
(1) قال في: الصارم المسلول (ص 326) : «الممتنع لا يستتاب وإنما يستتاب المقدور عليه» .
(2) ينظر: الرسالة الثلاثينية (ص 30 - 77) ، إتحاف البررة بموانع التكفير المعتبرة؛ للمجلسي .. وغيرها.