حقًّا لقد زادت هذه الرحلة في أعمارهم سنوات كثيرة؛ زادتهم سعة في أفقهم وفهومهم وعلومهم، وأصبحوا مؤهلين لأن يكونوا علماء أمة لا علماء تنظيم.. وقد حدث الشيخ في مواضع من «المجموع» عن رحلته في موريتانيا وفوائده منها.
وهناك في «موريتانيا» تزوج عدد من الشباب الذين كانوا مع «عطية» - رحمه الله -، مما دفعه أن يذهب إلى «الجزائر» فيتزوج فيها، ثم رجع إلى موريتانيا مصطحبا زوجته معه.
بعدما فُتِحَت أَفغَانِستَانُ وتحررت مِنَ الشُّيُوعِيِّينَ حَصَل قتال الأحزاب بين «المجاهدين» ؛ الإخوةِ الأعداءِ، مما دفع «القاعدة» و «المقاتلة» و «جماعة الجهاد» و «الجماعة الإسلامية» غيرهم للتوجه إلى «السودان» مضطرين.. ومما ميز مرحلة «السودان» أن الجماعات الجهادية تقاربت من بعضها وأصبح عندها وقت أكثر للتلاقي والتشاور والمناقشة؛ وخلال وجود الإخوة في «السودان» تَوَجَّهَ الشَّيخُ «عطية» - رحمه الله - إِلَى «السُّودَانِ» لِيَلْحَقَ بِقِيادَاتِ «تَنظِيمِ القَاعِدَةِ» هُنَاك؛ بِمَنْ فِيهِم الشَّيخُ أُسَامَةُ - رحمه الله -.
مكث الشيخ - رحمه الله - في السودان قليلًا ثم رجع إلى موريتانيا، وكانت مدة مكثه فيها قرابة سنتين يغرف من معين علمها الصافي؛ فدرس على كبارِ علمائها كالشيخيْن البَحْرَيْنِ: «بَدَاهُ وَلَد الْبُوصِيرِيّ» حيث درس على يديه بعض الدروس العامة لكن لم يدرس على يديه كتابا متخصصا، وكذا دَرَس على يد الشَّيخ «مُحَمَّد سَالِم عَدُّودْ» دراسة مُنتظَمةً؛ حَيْثُ درس على يديه أبوابا من ألفية ابن مالك في النّحو وغيرهِ، كما ذكر ذلك في بيان تعزيته فيهما - رحمهما الله -، ولكنه اضطُرَّ للخروجِ مِنْ «شِنْقِيطَ» بسبب الملاحقة الأمنيةِ وَالتَّضْيِيقِ عليه وعلى إخوانهِ من الطغاة (1) .
وَقَد نَفَعَ اللهٌ المُجاهِدِينَ بِعِلْمِهِ كَثِيرًا فِيمَا بَعْدُ، حَتَّى أنَّهُ صَارَ مُفتِي تَنْظيمِ «قَاعِدَةِ الجِهَادِ» -أَعَزَّهُ اللهُ وَنَصَرَ بِهِ الدِّينَ- وَهُوَ أهلٌ لِذَلِكَ - رحمه الله -، وَمِمَّا يُذكَرُ هُنَا أنَّهُ اجْتَمَع مَرَّةً مَع أَخِيهِ وَرَفِيقِهِ: «أَبِي يَحْيَى اللِّيبِيِّ» - رحمه الله - مُدَّةَ سِتَّةِ أشْهُرَ يُرَاجِعَانِ فِيهَا المُتُونَ والعُلومَ، ويتَذَاكَرانِ المسَائِلَ، ويَتبَاحَثَانِ النَّوازِلَ.. أعْلَى اللهُ نُزُلَهُما، وَعَوَّضَنا عَنْهُمَا خَيْرًا.
وَعَلَى ذِكرِ طَلَبِهِ العِلْمَ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ خَطَّ الشَّيْخِ - رحمه الله - كَانَ يَمْتَازُ بِالجَمَالِ وَحُسْنِ السَّبْكِ وَالتَّنْسِيقِ، مَعَ الشَّكْلِ الأَنِيقِ، وَقَدْ حَصَلْنَا عَلَى بَعْضِ الرَّسَائِلِ بِخَطِّهِ - رحمه الله -؛ أَلْحَقْنَاهَا بِآخِرِ المَجْمُوعِ.
(1) ستجد عزاء الشيخ في: البوصيري، وولد عدود، وكذا كلامه عن طلبه العلم في موريتانيا؛ ضمن هذا المجموع بإذن الله.