فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 1908

حَاوَلْتُ أَنْ أَتَهَرَّبَ مِنَ الْعِنَاقِ الْأَخِيرِ، وَلَكِنْ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُبُّ فِي الدُّنْيَا؛ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سُرُرٌ مُتَقَابِلَيْنِ؟».

وَهَذَا قُرَّةُ أَعْيُنِنَا الشَّيْخُ «أَبُو يَحْيَى اللِّيبِيِّ» ? (1) يُجَاوِبُنِي عَلَى رِسَالَةٍ أَرْسُلْتُهَا لَهُ أُعَزِّيهِ وَأُعزِّي نَفْسِي فَيهَا بِمَقْتَلِ حَبِيبِنَا وَوَالِدِنَا الشَّيْخِ «عَطِيَّةِ اللهِ» ؛ فَكَانَ جَوَابُهُ: «أَخِي الحَبِيْب: وَصَلَتْنِي رِسَالَتُكُم الأُولَى فِي التَّعْزِيَةِ فِي رَفِيقِ الدَّرْبِ الشَّيْخِ «عَطِيَّةَ» ؛ فَجَزَاكَمُ اللهُ خَيْرًا كُلَّ خَيْرٍ، هَكَذَا يَكُونُ العَزَاءُ وَالوَفَاءُ وَأَنْتُمْ أَهْلٌ لَذَلِكَ، فَعَلِمَ اللهُ مَا كُنْتُ أَنْتَظِرُ يَوْمًا أَعِيشُ فِيهِ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِيهَا الشَّيْخُ «عَطِيَّةُ» - رحمه الله -؛ فَقَدْ كُنْتُ أَعُدُّهُ عُدَّةَ النَّوَائبِ لِمَا جَمَعَ اللهُ لهُ مِنَ العَقْلِ وَالحِكمَةِ وَالرَّزَانَةِ وَالأَنَاةِ والعِلْمِ والتَّجْرِبَةِ وَالوَقَارِ -كَمَا نَحْسِبُهُ واللهُ حَسِيبُهُ-، وَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي التَّخَوُّفِ مِنْ ذَهَابِ الآخَرِ قَبْلَ أَخِيهِ كَفَرَسَيِ الرِّهَانِ!، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَدُهُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ غِيَابِ الآخَرِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا بَيْنِي وَبَينَهُ مِنَ البَوْنِ؛ فَمَا أَنَا وَهُوَ إِلَّا كَالعَصَا وَالسَّيْفِ، وَلَكِنْ هَكَذَا أَلَّفَ اللهُ بَيْنَنَا؛ فَنَحْنُ رُفَقَاءُ هِجْرَةٍ وَجِهَادٍ وَأَسْفَارٍ وَطَلَبِ عِلْمٍ وَمُدَاهَمَاتٍ، وَأَخِيرًا: بَلَاءُ المَسْؤُولِيَّةِ.

مَعْذِرَةً؛ فَهَذِهِ نَفَثَاتُ مَصْدُورٍ، وَلَا تَثْرِيبَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ، فَوَا أَسَفَاهُ عَلَى الشَّيْخِ «عَطِيَّةِ» ، واللهُ يَتَوَلَّانَا وَإِيَّاكُمْ بِتَوْفِيقِهِ.

فَمَا رَاقَنِي مَنْ لَاقَني بَعْدَ بُعْدِهِ? ... وَلَا شَاقَنِي مَنْ سَاقَنِي لِوِصَالِهِ ...

وَلَا لَاحَ لِي مُذْ نَدَّ نِدٌّ لِفَضْلِهِ? ... وَلَا ذُو خِلَالٍ حَازَ مِثْلَ خِلَالِهِ»

ثُمَّ خَتَمَ الشَّيْخُ أَبُو يَحْيَى رِسَالَتَهُ بِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ: «وَلَكَ هَذَا الحَدِيثَ الْعَظِيمَ الصَّحِيحَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيٌّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا وَمَاتَ الْآخَرُ بَعْدَهُ؛ فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: (مَا قُلْتُمْ؟) قَالُوا: دَعَوْنَا لَهُ.. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: (فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ؟ وَأَيْنَ عَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ فَلَمَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) » (2) .

وَقَدْ أَفَادَنِي الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الوَائِلِي بِقَصَصٍ عَجِيبَةٍ عَنِ الشَّيْخِ - رحمه الله -؛ فِي حُسْنِ إِدَارِتِهِ، وَتِرْبِيَتِهُ

(1) استُشهِدَ الشيخ «أبو يحيى» تقبله الله بعد رفيق دربه وخل روحه وأنيسه في هجرته، الشيخ «عطية الله» بمدة يسيرة؛ ففجع بهما أهل الإسلام في كل مكان، وصدق فيهما قول الشيخ أبي الليث الليبي - رحمه الله - أنه وجد خلال حياته: «أن الذي تجمعه مع أخيه المجاهد عَلاقة حب خاصة تتميز عن بقيتها من العلاقات، إذا قتل هذا الأخ فالآخر يلحقه بعد فترة بسيطة» ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

(2) سنن النسائي (1985) ، سنن أبي داود (2524) وصححه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت