فهرس الكتاب

الصفحة 629 من 1908

ولما اختصم خالد وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما -، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دعوا لي أصحابي، فوالله لو أنفق أحدكم ملء أحدٍ ذهبا ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه) (1) ، مع أن خالدًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن صحبة عبد الرحمن بن عوف صحبةٌ خاصة وأعلى درجة ولا يستويان، فانظر في هذا وتأمله.

وقد قدمت في الجواب على سؤال سابق بعض الكلام الذي له علاقة بهذا الموضع، حينما تكلمت عن قيادة الجهاد وحملة رايته، ففرق بين مَن سبقوا وقام الجهاد على أكتافهم وكانوا هم عماد هذا المشروع، وبهم قام بإذن الله، وإليهم فاء الناس، وحول رايتهم التي رفعوها اجتمعوا، وبين مَن لحق بهم بعد ذلك ولمّا يلحق درجتهم في الصبر والثبات والبلاء، أو بينهم وبين مَن ساهم مساهمة طيبة نشكره عليها، لكنها لا تبرئ ذمته، من حيث إنه مطلوب منه ما هو أكثر منها، مما يقدر عليه ويتعين عليه .. ولهذا عندما يقول قائل: الكل مساهم في الجهاد، الشخص المجاهد في الميدان بنفسه وماله، والشخص الداعم بماله وهو جالس في بيته وبين عياله، والعالم الذي يدعو الناس إلى الخير ويعلمهم الدين، وكذا وكذا ... !

نقول له: نعم لا شك أن كل هذه مساهمات مشكورة في الجهاد والعمل الصالح، لكن {لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] ، ثم لو كان الشخص مثلا مطلوبًا منه النفيرُ إلى الجهاد بعينه، لسببٍ من أسباب التعيّن، فجلس في بيته وقال: أنا أعلم الناس أحكام الشرع وأدعوهم إلى الخير عن طريق الكتابة في «الانترنت» والدروس في «البالتوك» مثلا، فهذا مساهم من وجهٍ، لكنه مقصر من وجهٍ أظهر وأعظم، ونحن نشكر مساهمته، لكننا أيضا نلومه على تقصيره ونحاول أن نأخذ على يديه وننكر عليه تقصيره الذي هو هنا تركُ واجبٍ متعيّن عليه (لأننا افترضنا هنا في مثالنا أنه تعيّن عليه النفير) ، فهذا لا ينبغي أن يقال: إنه مساهم في الجهاد؛ هكذا بإطلاق، وأن الجميع مشارك في هذا المشروع، على معنى إلغاء الفوارق .. ! هذا خطير جدا، ولا يمكن أن يقبل وسيصطدم قائله بحواجز الشرع والقدر.!!

كل هذا طبعا على فرض أن هذا العالم أو طالب العلم الذي مثلنا به وقلنا: إن النفير إلى الجهاد تعيّن عليه بحسب النظر الفقهي، ثم لم ينفر وقال: أنا أجلس في بلدي وبيتي وبين أهلي وعيالي، ويكفي أن أساهم في نشر العلم والكتب وإعطاء الدروس والكتابة في «الانترنت» ، أقول: هذا كله على فرض أنه معاونٌ على الجهاد ناصر للمجاهدين، مؤيّد لهم واقفٌ معهم، يعني أنه: (ناصِحٌ لله ورسوله) ، أما إذا كان من النوع المعارض للمجاهدين ومشروعهم، ويراه ضياعًا ويصدّ عنه بما يملك من قوة في الدعوة

(1) صحيح البخاري (3673) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت