فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 1908

وطلب السلامة في الدين، مع علو كعوبهم في الفقه والعلم والبصيرة والقيام بأمر الدين.

ولنشر هنا إلى مثالين نكتفي بهما إلى أن ييسر الله موضعا لمزيد البسط، وهما: ابن عربي الصوفي الملحد الزنديق، والعلامة ابن حجر الهيتمي الفقيه الشافعي.

فهذا ابن عربي صاحب عقيدة الحلول والاتحاد الذي لا تخفى شطحاته وشناعاته على بداءة العقول؛ حتى ليستبشعها ويستعظمها العامة قبل الخاصة، وكتبه تنضح بها، وهو يؤصل لمذهبه الإلحادي تأصيلًا مستمرًا، ويكفي منها قوله:

الرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف

إن قلت عبد فذاك ميت ... أو قلت رب أنى يكلف (1)

تعالى الله عما يقول هذا الظالم علوًّا كبيرا ..

وهو يكتب ما يكتبه من كفرٍ وزندقة بوعي وإدراك وتفنن، وليس ما سطره عباراتٍ عابرةً أو سبق قلم أو زلة عالم أو اجتهاد خاطئ، ومع ذلك اختلف العلماءُ في تكفيره، وتجد بعض الأئمة الراسخين في العلم الذين لهم قدم صدق في الأمة حينما يذكرون اسم هذا الملحد يبجلونه ويعظمونه فيلحقون باسمه عبارات «قدس الله روحه» ونحوها ويصفونه بالعارف بالله وبالشيخ الأكبر، كما يفعل الإمام «الألوسي» في تفسيره (2) .

وهؤلاء الأئمة مع رسوخ علمهم ودقة فهمم إلا أنهم يجعلون عقولهم أقصر وأقل من أن تدرك معاني عبارات هؤلاء الملاحدة؛ فيقفون أمامها موقف العاجز المستسلم الذي يجعل صحة كلامهم هي الأصل المقطوع ولو كان غاية في البهتان والشناعة؛ فإن وجد له تخريجا وتأويلًا فبها وإلا قال القوم أدرى بما يقولون، فانظر مثلًا إلى هذه القصة التي يذكرها الإمام «الألوسي» عن رأس الإلحاد «ابن عربي» : «وقد سمعت من بعضهم -والعهدة عليه- أن الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي قدس الله - سبحانه وتعالى - سره وقع يومًا عن حماره، فرضت رجله فجاؤوا ليحملوه فقال: أمهلوني فأمهلوه يسيرًا ثم أذن لهم فحملوه فقيل له في ذلك فقال: راجعت كتاب الله - سبحانه وتعالى - فوجدت خبر هذه الحادثة قد ذكر في الفاتحة، وهذا أمر لا تصله عقولنا!» (3) انتهى كلام «الألوسي» .. فهل رأيتم العلماء المكفرين لابن عربي -وما

(1) عزاهما له في «الفتوحات المكية» شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كما في: مجموع الفتاوى (2/ 242) ، وجماعات كُثر.

(2) ينظر: تفسيره (1/ 468) ، (4/ 337) ، (8/ 48) وقال: «الإمام الأكبر، قُدس سره» !.

(3) روح المعاني (4/ 137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت